logo.png
كسوف الشمس الحلقي
طباعة



 

كسوف رمضان 1426 ( كسوف السودان )

 

 

هاني محمد الضليع

 في الثالث من شهر تشرين أول / أكتوبر 2005 الموافق ليوم الاثنين يشهد العالم العربي والأوروبي والإفريقي حدثاً فلكياً مميزاً لا يتكرر في حياة الفرد سوى مرة أو مرتين على أكثر تقدير ، هو كسوف الشمس الحلقي النادر الذي يغطي فيه قرص القمر منتصف قرص الشمس فلا يبقي ظاهراً منها سوى حلقة رفيعة تحيط بالقمر.

   وقد أتى هذا الكسوف الحلقي الذي تقع ذروته في السودان قبيل بدء شهر رمضان المبارك لهذا العام 1426 هـ بيومين فقط فهو إذاً كسوف رمضان وكسوف السودان في نفس الوقت ، يتبعه بعد 14 يوماً أي يوم الاثنين الموافق 17 أكتوبر خسوف جزئي بسيط للقمر لن يرى من أي قطر من أقطار الوطن العربي إنما فقط من أستراليا وغربي أمريكا وكندا. 

ففي تمام الساعة 08:41 بالتوقيت العالمي يبدأ هذا الكسوف من شمال المحيط الأطلسي مروراً بإسبانيا ثم الجزائر فتونس فليبيا فالسودان التي سيبلغ فيها الكسوف ذروته في تمام الساعة 10:31:42 لمدة 4 دقائق و 31 ثانية متوسطاً السماء ، وليتابع طريقه بعد ذلك إلى كينيا ثم جنوب الصومال ومنتهياً بالمحيط الهندي في تمام الساعة 12:22 وهي لحظة غروب الشمس في ذلك المكان . وبذلك فإن فترة الكسوف ستمتد لـثلاث ساعات و 41 دقيقة منذ لحظة اكتماله شمال الأطلسي وحتى انتهائه في المحيط الهندي . 

 وفي السودان حيث يكون الكسوف في ذروته ، سيبلغ عرض مساره الحلقي 162.2 كيلومتراً ، وهو المسار الذي كل من بداخله سيرى كسوفاً حلقياً .

أما خارج مسار الكسوف الحلقي هذا وبعيداً عنه ، فإن جميع المناطق العربية والإفريقية والأوروبية ستشهد كسوفاً جزئياً بنسب متفاوتة يحجب قرص القمر فيها جزءاً كبيراً أو صغيراً من قرص القمر ، وكلما اقتربنا من مسار الكسوف الحلقي ازدادت هذه النسبة . ففي عمان والقدس والرياض ودمشق ستصل نسبة الكسوف إلى حوالي 55% في حين تصل في مكة وأبها إلى 60% وتزداد في القاهرة إلى حوالي 70% ثم لتزداد أكثر فأكثر ثم تكتمل في السودان وليبيا وتونس والجزائر وجنوب الصومال . أما دول الخليج والعراق فإن نسبة ما سيشاهد هناك من هذا الكسوف سيقل عن 40% .

 وفي المقابل فإننا كلما ابتعدنا عن مسار الكسوف الحلقي قلّت نسبة حجب القمر لقرص  الشمس ، حتى إذا ما وصلنا مكاناً بعيداً لم يعد القمر يبدو أنه يحجب أي شيء من قرص الشمس فلا يظهر عندها الكسوف ولا بأية نسبة ، وهذه هي خاصية كسوف الشمس التي يتميز بها عن خسوف القمر ، فليس كل من يرى الشمس في النهار يرى الكسوف ، في حين أن كل من يرى القمر ليلاً يراه مخسوفاً إذا كان هناك خسوف يومئذ .

 خريطة الكسوف الحلقي والجزئي

 هذه هي خريطة مسار الكسوف الحلقي والكسوف الجزئي كذلك كما رسمها الفلكي فرد إسبانك الذي يعمل لحساب وكالة الفضاء ناسا والذي يعد المرجعية الأولى في العالم لحسابات الكسوفات والخسوفات والعبورات الفلكية.

 فالمسار الأحمر بين الخطين الذين تتخللهما دوائر هو مسار الكسوف الحلقي وتظهر عليه أوقات بدء الكسوف في مناطقه المختلفة بالتوقيت العالمي ، في حين أن الخطوط الزرقاء الموازية لهذا المسار يمنة ويسرة  هي علامة النسبة المئوية للكسوف الجزئي المشاهد من تلك المناطق، أما الخطوط الخضراء العمودية عليها فهي خطوط توقيت بدء الكسوف بالتوقيت العالمي.

 دورة القمر حول الأرض

 يدور القمر حول الأرض في مدة شهر طوله 29.53 يوماً يسمى الشهر الاقتراني نسبة إلى موقع القمر من الشمس ، ويدور في شهر مدته 27.3 يدعى الشهر النجمي نسبة إلى موقع نجم في السماء.  

 

وأثناء دورانه حول الأرض يغير القمر من أطواره ابتداء بالمحاق فالهلال ثم التربيع والبدر ثم عودة تراجعية إلى أن يعود محاقا فيكمل الشهر  بذلك ، لكنه طوال هذه الدورة لا يرينا من نفسه إلا وجهاً واحداً هو الوجه القابل للأرض ، أما الوجه الآخر أو الوجه البعيد فهو محجوب عن أهل الأرض على الدوام ، ولم يره أحد قبل مركبة الفضاء الروسية لونا 2 التي طارت حول القمر في عام 1959 ، وسبب عدم رؤيتنا لوجه القمر البعيد أن القمر يدور حول نفسه في ذات الفترة التي يكمل فيها دورته حول الأرض أي مرة بمرة . فإذا كان القمر في طور المحاق وقع بين الأرض وبين الشمس وبهذا فإن النصف المضاء منه يكون ناحية الشمس والمظلم ناحية الأرض فلا نرى منه شيئاً. أما إذا كان القمر في طور البدر كانت الأرض بين الشمس والقمر وكان النصف المضاء من القمر مواجهاً للأرض كما هو مواجهٌ للشمس ، وأما النصف المظلم فإنه سيكون بعيداً لا يرى من الأرض.

 ويحدث الكسوف في الحالة الأولى عندما يكون القمر محاقا لا يرى منه شيء . فإذا وقع تماما أمام قرص الشمس حجب أشعتها وكسفها ، فإذا مر على كامل قرصها كان الكسوف كلياً ، أما إذا مر على جزء منها كان الكسوف جزئياً.

 

 لكن القمر يمر كل شهر في طوري المحاق والبدر ، فلماذا لا يحدث الكسوف والخسوف كل شهر ؟ سبب ذلك عائد إلى أن مدار القمر يميل قليلاً عن مدار الأرض ( 5 درجات )، وبذلك فتارة يرتفع فوق الشمس وأخرى ينخفض عنها ولذلك لا يحجبها إلا إن كان لقاؤه معها في نقطتين على مداره حول الأرض تسميان العقدة الصاعدة والعقدة الهابطة . فعندما يكون القمر في إحدى هاتين العقدتين والشمس هناك أيضا يحدث الكسوف أو الخسوف ، ولهذا السبب لا يحدث الكسوف أو الخسوف كل شهر، وكانت ظاهرة الكسوف من أجمل الظواهر الكونية لقلة حدوثها . فالكسوف يحدث مرتين في السنة على الأقل وخمس مرات على الأكثر في موعدين محددين يدعيان موسما الكسوف، وهما الفترتان اللتان يكون فيهما القمر في منطقة العقدتين.

 ولأن موسم الكسوف الواحد مدته 37.5 يوما، فهناك على الأكثر كسوفان حول كل عقدة، ويبقى الكسوف الخامس الذي يحدث في الدورة الجديدة للقمر عند العقدة الأولى مرة أخرى وذلك لأن السنة الكسوفية مدتها 346.6 يوماً وهي أقل من السنة العادية ، وفرق الأيام هذه يسمح للقمر بأن يعود في نفس السنة الشمسية إلى العقدة التي بدأ فيها كسوفه في بداية السنة فيحدث الكسوف الخامس.

أنــواع الكسوف

 

للكسوف أربعة أشكال يظهر بها هي :

 1 - الكسوف الكلي :

بـأن يحجب القمر كامل قرص الشمس ، وعندها تختفي الشمس الصفراء كاملة وتظهر من خلف القمر أشعة هي أشعة الإكليل الشمسي التي هي أخفت بمليون مرة من أشعة الشمس ، ولا تظهر إلا أثناء الكسوف الكلي . ويمثل الكسوف الكلي ما نسبته 28 %من مجمل الكسوفات . 

2 - الكسوف الجزئي :

وهو مرور القمر أمام جزء كبير أو صغير من قرص الشمس . لكن أشعة الشمس الصفراء تبقى ظاهرة من الجزء المتبقي من الشمس ولا يظهر معها الإكليل الشمسي .

وفي هذه الحالة يكون المشاهدون واقفين في منطقة شبه الظل على الكرة الأرضية ، وليس في منطقة ظل القمر التي يكون فيها الكسوف كليا.

 

وتمثل الكسوفات الجزئية ما نسبته 35 % من مجمل الكسوفات الشمسية.

 والكسوف الجزئي هو ما ستراه كل الدول العربية المحيطة بمسار الكسوف الحلقي بما فيها دول الخليج وبلاد الشام ومعظم السودان وليبيا وتونس والجزائر ، وبقية الدول الأخرى التي لا يمر فيها المسار الأحمر في الخريطة .

3 - الكسوف الحلقي :

وهو الكسوف العجيب الذي يقع القمر فيه أمام قرص الشمس تماماً. كما في الكسوف الكلي  إلا انه لا يغطيها كاملة إنما يترك حوله حلقة من أشعة الشمس  الصفراء ، ولهذا فقد سمي كسوفاً حلقياً. وسبب ذلك أن القمر يكون بعيداً عن الأرض أو الشمس قريبة من الأرض فيكون قرص الشمس أكبر من قرص القمر فلا يستطيع القمر حجب كامل قرص الشمس .

وبلغة أخرى فان ظل القمر لا يصل سطح الأرض إنما يصلها امتداد هذا الظل (كما في الشكل) .

ويمثل هذا الكسوف ما نسبته 32% من كامل الكسوفات .

 4 - الكسوف الحلقي الكلي :

في بعض الأحيان يكون الكسوف مزيجاً من الكسوفات الثلاثة السابقة . ولرؤية الكسوفين الكلي أو الحلقي ، يجب رؤية كسوفاً جزئياً يسبقهما .

 وإنما يحدث أحياناً شيء عجيب ، هو أن بعض الناس يرون كسوفاً كلياً وآخرون يرونه حلقياً، وهذا مرده إلى  أن مسار ظل القمر عند حدود ظل القمر يكون أطول من مساره في مركزه لمن يشاهده على الأرض ، ولهذا فان الواقفين في الوسط يرونه كلياً، ويراه الواقفون عند الأطراف حلقياً . ونسبته هذا الكسوف 5 % .

 كيف نرصد الكسوف :

لا شك بأن النظر إلى الشمس أمر في غاية الخطورة . إذ أن أشعتها القوية لا تسمح للإنسان حتى بالتفكير بالنظر إليها . ولذلك فإن الناس لا ينظرون إلى الشمس مباشرة في أوقات الظهيرة خاصة.

 لكن الحال تختلف عند وجود كسوف لها . فهنا في هذه الحالة يوجد سبب منطقي للنظر إلى الشمس ، فالحدث نادر والنظر ضروري ، ولكن  … يا ترى هل سيتمكن الشخص من النظر إليها أثناء كسوفها ؟ الجواب نعم . لأنه سيجهد عينيه بالنظر إليها رغم انه يعلم أن أشعتها قوية جدا ولكنه سيحاول إغلاق عينيه إلى الحد الذي يستطيع فيه رؤية الشمس باعتقاده أنه قد خفف كمية الأشعة الواصلة إلى عينيه ، ولكن … كلا فهو لم يفعل .

إن النظر إلى الشمس بالعين المجردة سواء في الكسوف أو في غيره ممنوع تماماً لمن أراد الحفاظ على عينيه سليمتين . فالشمس بأشعتها القوية قادرة على حرق شبكية العين ، وذلك لوجود عدسة العين التي تركّز الأشعة على الشبكية فتحرقها دون أن يشعر الإنسان بألم ، فليس هناك أعصاب ألم في الشبكية . وسيصبح الإنسان خفيف النظر أو حتى أعمى مباشرة أو بعد ساعات من نظره إلى الشمس . ويزداد الأمر حدة وتفاقماً إذا ما استخدم الشخص منظاراً أو تلسكوباً لأنه ما يلبث أن ينظر من خلالهما إلى الشمس حتى يكون ذلك آخر منظر يبصره في حياته ، فقد احترقت عيناه .

 ومع ذلك فليس النظر إلى الشمس محرماً ، إنما يلزمه تكتيك وطريقة . وهنا كان لزاما وجود المرشحات والواقيات الشمسية (فلتر) التي تحمي العين من الأشعة الشمسية القوية . والمرشحات هي مواد شفافة تمتص معظم أشعة الشمس قبل وصولها إلى العين . ومن هذه المرشحات : الزجاج الأسود المستخدم في الحدادة والذي يحمل الأرقام 14 فأكثر ، وكذلك فيلم الكاميرا المحروق أو صورة الأشعة السوداء أو الزجاج الذي ترسب عليه السناج وغيرها .. وجميعها يعمل لكنه غير آمن تماماً فهو لا يحمي العين من وصول الأشعة تحت الحمراء إليها أو فوق البنفسجية . إنه يمنع الأشعة المرئية فقط  . ولذلك فقد وجدت واقيات شمسية صنعت خصيصاً لهذا الغرض مطلية بطبقة من الكروم أو الفضة أو الألمنيوم لا تسمح إلا لجزء صغير جداً من الأشعة باختراقها ، وهي آمنة تماما لكنها للأسف ليست متوفرة في أسواقنا العربية . ومع ذلك فإن لم نحصل على واحدة منها فلا يعني أن لا  نرصد الكسوف ، لكننا سنضطر إلى استخدام المرشحات سالفة الذكر مع مراعاة عدم الإطالة في النظر من خلالها ، إنما على فترات متقطعة ، حتى لا نسمح لكمية زائدة من الأشعة تحت الحمراء من الدخول مرة واحدة إلى العين فتؤذيها .

 ومرة أخرى فالواقيات الشمسية هي: النظارات الشمسية الكسوفية ، ورق تظليل زجاج السيارات ذو الطبقتين الفضية والسوداء ، زجاج الحدادين ( 14) المستخدم في عملية اللحام الكهربائي ، صورة الأشعة ( المناطق السوداء تماما منها ) ، الأفلام التصويرية ( المحروقة )، الزجاج المرسب علية السناج الأسود .

ومن أهم الطرق الآمنة التي يمكن مراقبة الكسوف الشمسي من خلالها هي طريقة إسقاط الصورة على ورق مقوى من خلال عدسة التلسكوب، وهي الطريقة الآمنة التي يستمتع هواة الفلك بالنظر من خلالها إلى قرص القمر أثناء التقائه بقرص الشمس ثم خروجه منه .

 تصوير الكسوف

لا شك بأن المناسبة التي نحن بصدد لقائها هي مناسبة نادرة لهواة الفلك والمهتمين في الوطن العربي، وهي فرصة حقيقية حقاً لأن ندرك أن النظر إلى ملكوت الله عز وجل أمر يجب التعبد به أو الاستمتاع به على الأقل أو كليهما معاً.

 ويعد التصوير الفلكي من المتع التي لا يعرفها إلا أصحابها فهي تسجيل لأحداث لا تتكرر دائماً ولا يمكن وصفها بالكلمات حتى، ومع ذلك فالمنظر الرباني الطبيعي الذي تراه العين المجردة لا يمكن القول بأن الكاميرا مهما بلغت من الدقة والإتقان أن تسجله فما هي إلا من صنع بشر في حين أن العين المجردة هي من صنع رب البشر وخالقهم سبحانه فلا مقارنة بين المنظرين أبداً.

 ومن أجل تصوير هذه الظاهرة ، ففي البداية وأثناء مراحل الكسوف الجزئي يجب الاستعانة بالفلاتر والمرشحات أمام عدسة الكاميرا أو التلسكوب الذي ركبت عليه الكاميرا ذلك لأنه لا جدوى من تصوير الشمس بأشعتها القوية فلن يظهر الكسوف أبداً. وبالطبع يمكن استخدام  الكاميرات العادية أو الديجيتال ، لكن الديجيتال لغير المختصين أفضل وأما الكاميرات العادية فقد تحتاج إلى متخصصين خاصة حين نتحدث عن الكاميرات ذات العدسات والفتحات والتوقيت التي يمكن التحكم بها فهي تحتاج إلى عارف بها . لكن أفضل تصوير يمكن أن يظهر فيه قرص الشمس واضح الكسوف هو عبر عدسة تلسكوب أو من خلال كاميرا ذات زووم كبير.

 

  

 وأما الذين سيشهدون الكسوف من مواقع اكتماله حلقياً كالسودان وليبيا وتونس والجزائر والذين سيقفون تحت خط الكسوف الحلقي الكامل ، فأولئك محظوظون إن عرفوا كيف يصورون الحدث ، فمراحل الكسوف الحلقي أو اللحظات ما قبل ذلك ستريهم مناظر رائعة تستحق التسجيل كمنظر الهلال الدائري قبيل اكتمال دخول قرص القمر أمام قرص الشمس وكمنظر القمر المحاط بدائرة الشمس المضيئة . ومع ذلك فلا غنى لهم عن المرشحات الشمسية التي يجب أن يستخدموها لتقليل كمية الأشعة الساقطة على الصورة ولتحمي أعينهم كذلك من خطر النظر المباشر إلى الشمس خصوصاً وأن الخطر متفاقم أثناء النظر عبر تلسكوب أو كاميرا فيها من العدسات المحدبة المجمعة للأشعة أكثر مما تفعله العين المجردة ، فإياك أن تخطئ بالنظر إلى الشمس عبر الكاميرا أو التلسكوب دون أن يكون المرشح أو الفلتر موضوعاً أمام العدسة الشيئية للكاميرا أو التلسكوب ، وأكرر القول بأن المرشح يجب أن يكون موضوعاً أمام العدسة الشيئية لا أمام العين ، أي أن أشعة الشمس يجب أن تدخل المرشح قبل أن تدخل الكاميرا أو التلسكوب . فقد أخطأ أحد هواة الفلك يوماً ووضع المرشحات أمام العدسات العينية لمنظاره المزدوج ( الدربيل ) وأخذ ينظر إلى الشمس باحثاً عن البقع الشمسية على قرصها وإذا به يتفاجأ بحرارة تكتوي بها عيناه ثم ضوء شديد يخترق المرشحين فأزال المنظار من أمام عينيه على الفور ليكتشف بأن الله قد حمى عينيه من العمى المحتم ، فقد احترق المرشحان وانثقبا من شدة حرارة الشمس التي سلطتها العدسات العينية عليهما والتي لولا فضل الله تعالى لوصلت على عينيه بعد أقل من ثانية واحدة فالحمد لله على ذلك. 

 

ماذا نرى أثناء الكسوف الحلقي

لا شك بأن هذا الكسوف هو فرصة نادرة لجميع الفلكيين وهواة الفلك العرب ، إذ سيحدث في أكثر من دولة عربية مما سيسهل عليهم السفر لمشاهدته كنوع من دراسته الفلك أو هواية ، فمواعيد دخول القمر إلى قرص الشمس واكتمال دخوله ثم بدء خروجه واكتمال خروجه بعد ذلك كلها أرصاد فلكية تفيد في حساب بعدي الشمس والقمر بدقة كبيرة مع علمنا التام بأن هناك وسائل أكثر دقة من هذه إلا أنها لا تزال طرق مفيدة وقائمة .

 والكسوف الحلقي الذي لا يبقى من قرص الشمس أكثر من حلقة حول قرص القمر الأسود هو بحد ذاته منظر نادر وخلاب ، خصوصاً إن كان سيشاهد وقت شروق الشمس أو وقت غروبها أو حين يكون قريباً من الأفق.

 

ففي اللحظات الأخيرة من دخول قرص القمر أمام قرص الشمس ، سيبدأ ضوء النهار بالخفوت بشكل ملاحظ جداً ، حتى إذا ما اقتربت الشمس من الاحتجاب بشكل شبه كلي تحول ضوء النهار من أبيض إلى فضي ، وبدأت ترى ظلال الأشياء حادة وسوداء بعد أن كانت مشتتة وفاهية ، حتى إن الجميع حينها سيستغرب المنظر وسيبدأ يشعر بأنه يعيش ظاهرة غريبة حقاً... إن الظلام بدا وكأنه يحل رغم إن الوقت هو منتصف النهار . وهو سريع الحركة ولا يكاد المراقب يفكر في جمال وغرابة الأمر حتى تبدأ المراحل الحقيقة لكسوف الشمس الحلقي فماذا سيرى …

في تلك اللحظة انظر إلى الشمس فإنك لن ترى أكثر من هلال صغير أصفر  لكنه هلال دقيق وممتد يكاد يكمل الدائرة، وسيذكرك ذلك المنظر بأهلة المآذن وهلال رمضان الذي ترسمه المجلات والذي لا يشبه أهلة القمر أبداً ، فهو هلال يكاد يكمل الدائرة .

وإذا ما جهزت قبل الكسوف ورقة أو كرتونة مثقوبة بدوائر صغيرة كثيرة ووضعتها تحت الشمس المكسوفة فإنك ستفاجأ بصورة الشمس المكسوفة على الأرض ليتحقق بذلك مبدأ فيزيائي مشهور يعرف بمبدأ فيرمي والذي ينص على أن الضوء يسير في خطوط مستقيمة ويقطع أقصر السبل ، ولهذا فنحن نرى صورنا في المرايا المستوية مقلوبة جانبياً ، وفي الكسوف سترى نفس الظاهرة بأن الكسوف مقلوب جانبياً وليس كما يظهر في السماء .

وفي هذه اللحظات التي ما تكاد تنتهي بعد من ذهولك فيها مما ترى من عجيب خلق الله حتى يكتمل دخول قرص القمر فوق قرص الشمس، فيكتمل حوله الهلال دائرة بيضاء إن كانت رقيقة أو صفراء إن كانت سميكة، وفي كلتا الحالتين لا ينصح بالنظر إليها بالعين المجردة لقوة أشعتها المؤذية للعين بلا شك ، وإنما يمكن استخدام مرشحات ضوئية أقل إعتاماً من المستخدمة للمراحل السابقة لأن نسبة الأشعة الشمسية في هذا الوقت تنخفض انخفاضاً ملموساً على ما كانت عليه من قبل.

لكن الحقيقة المذهلة في هذا الكسوف مقارنة بالكسوف الكلي هو أن القمر في الأخير يختفي تماماً بحيث يرى قرصاً أسود ، أما في الكسوف الحلقي وبسبب بقاء أشعة الشمس المتشتتة في غلافنا الجوي فإن لون قرص القمر هو لون الغلاف الجوي في تلك اللحظة لا اللون الأسود. وبالطبع فإن نسبة هذه الإضاءة تعتمد مرة أخرى على نسبة سمك وإضاءة الحلقة الأخيرة من الشمس .

لكن صاحب الحظ الأسوأ هو من تلبدت الغيوم في سمائه في ذلك اليوم بعد أن كان قد أعد عدته للظاهرة ثم في اللحظات الأخيرة وقبل بدء الكسوف أو على الأقل قبل بدء مرحلة الكسوف الحلقي، حالت بينه وبين مشاهدة هذا المنظر غيوم استمرت حتى نهاية مرحلة الكسوف الحلقي التي كان هو أصلاً بانتظارها. وهذا نوع من التراجيديا الفلكية التي عادة ما تتكرر لدى هواة الفلك خصوصاً أهل أوروبا وأمريكا.

أخيراً تذكر دوماً قدرة الله الخالق في هذه اللحظات ، فالظاهرة هي آية من آيات الله يخوف الله بها عباده

( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده ) رواه مسلم

ويقول صلى الله عليه وسلم أيضاً

( إن الشمس والقمر لا تنكسفان لموت أحد أو حياته ) رواه مسلم

 ولو أن الله أراد للقمر أن يقف أمام الشمس ولا يبرحها فمن من المخلوقات يستطيع تحريكه وإعادة الضياء للأرض ؟

 يقول الله تعالى :

( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ ) القصص 71

 
https://eajaz.org//index.php/component/content/article/80-Number-XXII/713-Annular-solar-eclipse