كلمة..حول التفسير العلمي
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



د. عبدالحفيظ الحداد
إن خدمة كتاب الله ـ عز وجل، وسنة رسوله  من أجل الأعمال التي يبتغي لها العاملون وجه الله، في جهد يخدم الأمة في دينها. وذلك من خلال تقريب عمدة هذا الدين، المتمثلة بالوحي الذي يختص بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، حيث القرآن الكريم وحي بلفظه ومعناه والسنة المطهرة وحي بمعناها كما هو معلوم. ولذلك فإنه مهما بذل أهل العلم من جهود في بيان حقائق هذين الموردين النيرين فإنهم بذلك يترجمون إرثاً ـ أكرمهم الله به ـ من نبي الله محمد  حيث قال:
(
العلماء ورثة الأنبياء
).

وإن نصوص الكتاب والسنة قد اشتملت على مبادئ تنظيم حياة البشر بدءاً بجانب العقيدة والفكر وكذا بيان العبادة والخلق ومروراً بتنظيم العلاقات بين الأفراد والأسر ومن ثم العلاقات العامة وانتهاء بالنواحي والشؤون الدولية دون تفريط بمصلحة أو افتئات على مقصد من المقاصد الأساسية في دين أو عرض أو نفس أو عقل أو مال. ولقد أولت نصوص الكتاب والسنة جانب العقيدة والفكر المنزلة الأولى لأنها إذا فسدت لم يصلح غيرها من الأعمال ـ في منظار الشرع وحكمه ـ ولو كان في الظاهر قد حصل وجود بعض الأحوال التي تحقق بعض الفوائد المادية عموماً في هذه الحياة الدنيا ذلك لأن الذي تهدف إليه شريعة الله هو تحقيق الأمان والاستقرار والسعادة لبني آدم في الدنيا والآخرة ولذلك فإن الأساس العقدي والإطار الفكري هما الأساس الأول الذي لابد من تحقيقه بغية الوصول إلى ذلك الهدف المنشود.
ومن هنا يكون العمل على تحقيق الاستقرار الفكري واليقين القلبي من أهم الجهود المبذولة في هذا المضمار، خاصة إذا كان قائماً على النظر الهادف المقترن بالاستدلالات الصحيحة في آفاق الكون الرحيب. ولا أدل على عناية الدين الإسلامي بهذا المضمار من وجود ما يقارب من ألفي نص قرآني ومثلها في السنة المطهرة مما يتعلق بشتى المجالات الكونية من سماء وأرض وفضاء وبحار وأحياء ونبات وكائنات دقيقة وحشرات وعلوم بحتة من رياضيات وفيزياء وكيمياء وميكانيكا وكذا معرفة بالإنسان وأطواره وأحواله وغير ذلك من الميادين الكونية الأخرى والتي وجدت لمسائلها إشارات في تلك النصوص، حيث إن معرفة نظم تلك العوالم وتقلبات أحوالها والأنظمة التي بثها الله في ميادينها شرط في تجلية معاني ودلالات تلك النصوص الكونية، كما أن معرفة القواعد والمعالم المقررة في استنباط دلالات تلك النصوص شرط أساسي، حيث لا يمكن تحقيق السلامة في ذلك الاستنباط دون الإحاطة بها على وجه التمكن والفهم العميق.
ومن هنا فإن من تحقق بتلك المعرفة المزدوجة لحقائق الكون ولحقيقة وصحة الدلالات التي تحملها النصوص فإنه يمكنه عند ذلك أن يدلي بدلوه في تفسير تلك النصوص تفسيراً علمياً مقبولاً وإلا فلا. ولذلك كله فإن العلماء ـ سلفاً وخلفاً ـ يؤكدون وبإصرار على وجوب تحقق ذلك، ويحذرون من مغبة التغاضي عن هذا الأساس الذي لابد من تحققه. بل إن بعض العلماء كان يرجح ـ من قبيل سد الذريعة ـ ترك التوسع في ذلك التفسير العلمي خوفاً من الانزلاق في وهدة التقول على الله ورسوله أو التفريط في تعظيم كتاب الله بسبب القول فيه دون علم مستقر.
وإننا في هذا العصر قد وجدنا أن العناية بهذا اللون في التفسير والذي ـ كما قلنا ـ يتوجه إلى بيان النصوص الكونية في الكتاب والسنة من خلال استثمار نتائج الكشوف والتجارب في مختلف العلوم قد أغدق على الباحثين المتمكنين في العلوم الكونية العطاء باكتشاف توافق باهر بين دلالات نصوص القرآن والسنة والحقائق الكونية التي استقرت بعد تأمل وتجريب ومقارنة وتحقيق مما يعني أن تلك النصوص الكونية كانت تحفل بأسرار عن الكون كانت غيباً بالنسبة لعموم البشر في زمن تنزل القرآن الكريم وأصبحت الآن في دائرة عالم الشهادة والمعرفة بالنسبة لأبناء هذا العصر الذي تميز بتسارع عجلة المعرفة فيه لدرجة وصف بأنه عصر تفجر المعلومات.
ولاشك أن هذا التوافق يعني بالضرورة وجود إعجاز علمي باهر لدى ملاحظة أن رجلاً أمياً نشأ في مجتمع لا يتسم بالحضارة ولا يتميز بمزيد علم قد وردنا ذلك عن طريقه، وهذا الرجل قد وجد في زمن كانت البشرية قاطبة على جهل تام بتلك الحقائق، بل كانت لا تملك هذه الوسائط والوسائل والأدوات التي سخرها الله لأبناء هذا العصر والتي بواسطتها مكن الله للبشر بعد امتلاكها معرفة تلك الحقائق والأسرار الكونية.
فعن طريق ذلك الرجل الأمي الذي وجد في الأمة العربية التي كانت خالية الوفاض من تلك المعارف الكونية قد وردتنا تلك الأسرار الكونية. ولذلك نستدل بأن هذه النصوص لابد أن تكون من كلام الخالق لهذه الحقائق والموجد لتلك الكائنات ويستحيل أن تكون من كلام ذلك النبي الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب بل ليس عنده عن شؤون الكون أي أثارة من علم. أجل! إنه كلام الذي أخرج هذا الكون بكل آفاقه من العدم.
وبالتالي فإن ذلك الرجل الأمي لابد أن يكون مرسلاً من ذلك الخالق بعد أن أوحى إليه بتلك النصوص وأمره بإبلاغها للعالمين. أجل! إن ذلك الرجل الأمي الذي ولد في مكة ونشأ بين ظهراني أمة عموم أبنائها لا يقرؤون ولا يكتبون قد قضت إرادة الله وحكمته أن يكون خاتم الأنبياء وسيد المرسلين ولذلك فإن تلك الثمرات العملية التي أوقفتنا على ذلك التوافق بين دلالات نصوص الوحي الذي أمر بتبليغه مع الحقائق الكونية كانت بمثابة الأدلة المتكاثرة على أنه حقاً رسول الله وأن الكتاب الذي قد بلغنا إياه هو كلام الله ولذلك فما أجدرنا أن نعتني بمزيد الاجتهادات لقطف المزيد من هذه الثمرات من خلال توسيع دائرة ذلك التفسير العلمي المنضبط والرصين.