logo.png
إنجازات طبية استخدمها العالم أجمع... جراحة العين في التراث العربي الإسلامي
طباعة



د. سرى سبع العيش
إذا عدنا عشرة قرون إلى الوراء لاستذكار وتبصر ما كان عليه حال العيون عند أجدادنا العظماء المسلمين العرب، سنجد أن ثورة العلم الأولى كانت تتفجر من براكين البحث والاستقصاء والتجربة والاستقراء، ثم استخلاص النتائج التي أرسى قواعدها أسلافنا العلماء في شرقنا العربي الإسلامي فشعت أنواع العلم والحضارة على العالم أجمع.
لقد اهتم الأطباء العرب بجراحة العين وملحقاتها، كالأجفان وما يعتريها من تشوهات واستئصال الأورام والسعفات وترميم الأجفان المتهدلة لغرض التجميل، ثم تعديل تشوهات حافات الأجفان من انطمار أو انتشار، وقد ذكروا بالتفصيل جراحة الأجفان والظفرة أو الجنيح، إضافة إلى جراحة السبل الذي كان شائعاً بسبب التراخوما، ثم جراحة الساد.



وجراحة الساد أو الماء النازل في العين نالت الكثير من الاهتمام والبحث العلمي والتطوير في العالم الإسلامي، ولعل السبب أن الداء عالمي لا يحده مكان ولا يعوقه زمان، فحسبُ عملية الساد أهمية أنها أكثر العمليات الجراحية العينية شيوعاً. وداء الساد أكثر أدواء العين انتشاراً في أرجاء العالم وفي جميع حقب التاريخ، فهو يصيب جميع الأجناس والأعراق البشرية. وقد يحدث في شتى مراحل عمر الإنسان من الطفولة وحتى الشيخوخة، ولا يقتصر على الجنس البشري بل يصيب شتى أنواع الحيوانات التي تحوي عيونها عدسات، ولأن العلاج الجراحي ينقل المريض من حالة العمى إلى حالة الإبصار فيستعيد فاقد البصر ما حباه الله من نعمة الرؤية، لذلك كانت دراسة تطور جراحة الساد بخاصة مقياساً مؤشراً إلى مدى تطور جراحة العين بعامة.
الماء النازل في العين
أطلق الأطباء العرب الأوائل تعبير الماء النازل في العين للدلالة على الساد، وقد ورد ذلك في الأوائل من كتب الطب العربية مثل: (
العشر مقالات في العين
) لحنين بن إسحق العبادي (
808 ـ 873
)، وهو أول كتاب كامل عن العين. ثم (
المنصوري
) و(
الحاوي في الطب
) لأبي بكر الرازي (
865 ـ 935
)، و(
القانون
) لابن سينا (
984 ـ 1038
)، و(
المعالجات البقراطية
) لمحمد بن أبي الحسن الطبري (
976
)، و(
الكامل في الصناعة الطبية
) لعلي بن العباس الأهوازي (
944
)، و(
التصريف لمن عجز عن التأليف
) لخلف بن عباس الزهراوي (
1030
)، و(
تذكرة الكحالين
) لعلي بن عيسى (
1025
)، و(
المنتخب في أمراض العين وعللها ومداواتها بالأدوية والحديد
) لعمار بن علي الموصلي (
1038
). وعندما ترجم قسطنطين الأفريقي كتاب: (
العشر مقالات في العين
) إلى اللاتينية، وانتحل الكتاب لنفسه، استعمل لغرض التمويه كلمة كتاركت كترجمة يونانية لكلمة نزول الماء من العين. وعندما ترجم جيراردوس الكريموني (
1114 ـ 1187
) كتاب أبي القاسم الزهراوي (
التصريف لمن عجز عن التأليف
) ترجم عبارة قدح الماء النازل في العين بعلاج الماء النازل في العين. وقد وردت في ترجمة كتاب (
القانون
) لابن سينا، وكتاب (
المنصوري
) للرازي، كلمة الماء للدلالة على المرض العيني ذاته ولم تستعمل كلمة كتاركت. وحتى إن غي دي تشولياك أشهر طبيب فرنسي في القرن الرابع عشر، ذكر في كتابه كلمة الماء، وقد اقتبس (
62
) مرة من كتاب (
تذكرة الكحالين
) لعلي بن عيسى، في كتابه الشهير الجراحة الكبرى، ثم شاع استعمال (
كتاركت
) التي تعني باللاتينية شلال الماء، وأصبحت النموذج المحتذى به في الترجمات اللاتينية للكتب الطبية العربية في القرن الثاني عشر وما بعده، أما أطباء العيون العرب الذين أتوا في القرن الثالث عشر وبرزوا في سورية ومصر مثل خليفة بن أبي المحاسن الحلبي، وصلاح الدين الحموي، وابن النفيس، فجميعهم سموه الماء، ووصفوه بأنه مرض سدي لأنه يسد نور العين.
الماء النازل في العين نال اهتمام كثير من الباحثين وكان علاجه من أكثر العلميات شيوعاً تتلمذ الأطباء العرب على يد الإغريق وخاصة جالينوس  وأعجبوا بكتابة (
منافع الأعضاء
)

لقد تتلمذ الأطباء العرب على يد الإغريق وبخاصة جالينوس، وأعجبوا بكتابه (
منافع الأعضاء
)، وسلموا بالمفهوم الإغريقي الخاطئ بالنسبة لطبيعة الساد وتموضعه، فوقعوا في الخطأ الذي وقع فيه أسلافهم، بعضهم اعتبره تكثفاً في السائل البروتيني أمام الجسم البلوري في البؤبؤ، وبعضهم اعتبره يتموضع بين العدسة البلورية والمشيمة كالزهراوي، أو بين القرنية والمشيمة كعلي بن العباس الأهوازي وابن سينا، لكن ابن النفيس أوضح أن الماء يقع خلف العنبية أو القزحية. ولسوء الحظ لم يشرح الأطباء العرب عيناً مصابة بالساد مع أنهم طالما شرحوا الأعضاء وعنوا بتشريح الجسم، فاعتبروا مثل أسلافهم اليونانيين أن العدسة البلورية هي العضو الرئيسي للبصر، وهي أشرف أجزاء العين، وأنها مركز الرؤية، وأنها المغذوة المخدومة التي ينبعث الروح الباصر منها إلى الدماغ عبر العصب البصري، وأن تلفها يمحق البصر.
تشريح العين والتصالب البصري والدماغ
وقد ظهر أول رسم لتشريح العين والتصالب البصري والدماغ في كتاب خليفة بن أبي المحاسن الحلبي (
1266
) (
الكافي في الكحل
)، مؤيداً لذلك المفهوم، وفيه تبدو العدسة في مركز العين ومنها يمتد الروح الباصر إلى الدماغ الأمامي، ويبدو البطين الأمامي والبطين الخلفي في الدماغ. ثم ظهرت أول صورة لمقطع تصالبي في العين في كتاب صلاح الدين الحموي (
نور العيون وجامع الفنون
) في نهاية القرن الثالث عشر (
1296
)، إذ تبدو العدسة في مركز العين كبيرة الحجم، محاطة بطبقاتها الأخرى. وبقي ذلك مقبولاً حتى بداية القرن التاسع عشر (
1827
) حين ظهر العالم الألماني سومرنغ، فبين الرسم الصحيح لأجزاء العين ومقاطعها المتعارف عليه الآن.
لقد أخذ الأوروبيون كثيراً من علومهم عن العرب عندما احتكوا بهم عن طريق جزيرة صقلية التي انتزعها النورمانديون من العام عام (
1017
)، وعن طريق شمال إفريقية وعن طريق الأندلس التي ازدهرت فيها الحضارة العربية الإسلامية ثمانية قرون (
711 ـ 1493
) وعن طريق الحروب الصليبية التي تواصلت قرنين متتاليين (
1096 ـ 1291
). لقد كرر الأوروبيون ما نقلوه بالنسبة للساد عن العرب جيلاً بعد جيل، حتى جاء ورنر رولفنك في القرن السابع عشر (
1656
) وشرح عيناً مصابة بالساد فأيقن أن الساد ما هو إلا العدسة البلورية المتكثفة، ومع ذلك لم يستتب الأمر في أوروبا حتى منتصف القرن الثامن عشر.
طب العين في العراق وبلاد العجم
في المشرق العربي كانت بغداد وأرص العراق مهد الحضارة ومنبعث العلوم الطبية، وبخاصة منها جراحة العين منذ القرن التاسع الميلادي وحتى النصف الأول من القرن الحادي عشر. ومن أبرز الأطباء في العراق حنين بن إسحاق، صاحب كتاب (
العشر مقالات في العين
) وهو أول كتاب منهجي خاص بالعين. وقد ظهر عمالقة الطب الأوائل مثل: أبو بكر الرازي الذي ألف موسوعته (
الحاوي في الطب
) وخصص الجزء الثاني منه لطب العين. وألف مئات الكتب وأهمها كتاب (
المنصوري
) الذي ألفه للأمير منصور بن خاقان في خراسان، وذكر فيه للمرة الأولى أن الحدقة تضيق في الضوء وتتسع في الظلمة. والطبري الذي ألف كتاب (
المعالجات البقراطية
)، وعلي بن العباس الأهوازي في آخر القرن العاشر الذي ألف كتاب (
كامل الصناعة الطبية
).
وهناك ابن سينا الذي كان مرموقاً في الدولة يتنافس الأمراء والولاة على الحفاوة به، وجعله في موضع الوزارة والاستشارة. وقد ألف الكثير من الكتب أهمها موسوعته (
القانون في الطب
) الذي كان مصدراً كبيراً للتشريح والطب في أوروبا لعدة قرون. وكان علي بن عيسى طبيباً كحالاً مرموقاً في بلاط الخلفاء في بغداد ويعتبر كتابه (
تذكرة الكحالين
) أول كتاب منهجي متكامل منسق عن طب العين وجراحتها يبحث في الأمراض وعللها وكيفية معالجتها، ولا يفصل بين ذكر المرض وعلاجه كما كانت حال الكتب اليونانية. وكان الكتاب مصدراً لأجيال عديدة من أطباء العيون العرب والأوروبيين. وفي تلك الفترة أيضاً ظهر عمار بن علي الموصلي الذي مارس جراحة العين في العراق وسورية وخراسان وفلسطين وتونس ومصر. وقد مارس جراحة العين طبيباً متنقلاً هنا وهناك يعالج ويدون ما مر به من تجارب جراحية. وألف كتاب (
المنتخب في أمراض العين وعللها ومعالجتها بالأدوية والحديد
). وهو أول من كتب مقالة عن جغرافية الساد وقال: إنه يظهر في الأمكنة الرطبة وحيث يكثر السمك. وقد أبدع هذا الجراح بابتكاره طريقة جديدة في علاج الساد وهي استخراجه بعد تفتيته بالشفط أو المص بواسطة المقدح المجوف الذي اخترعه وصنعه بنفسه، فكان نقلة كبرى في جراحة الساد.
الإبداع العربي في جراحة الساد
لقد كان عطاء العرب عظيماً في طب وجراحة العين وبخاصة جراحة الساد، فقد تفوقوا على الأطباء الغربيين في زمانهم وحتى الذين أتوا بعدهم ببضعة قرون، فظهر منهم علماء اختصاصيون في أمراض وجراحة العين لقبوا بالكحالين. وكانت لهم خبرات عملية هائلة وثقافة علمية واسعة وعطاء لا نظير له، فهم الذين علموا العالم جراحة الساد التي كانوا يسمونها القدح، وهم الذين صنعوا المقادح العينية وطوروها، وهم الذين خلدوا الحضارة اليونانية حين نقلوها إلى العربية، إذ إن أنطليوس وسيسيوس وديموسثنيس وصفوا العملية باختصار، وأشاروا إشارة عابرة إلى أن إبرة السادة لها نهايتان إحداهما حادة، ولكن لا يوجد أي مؤلف طبي عيني باللغة الإغريقية، ولا يوجد الآن أي أثر لرسم أو موجودات أثرية تشير إلى إبرة الساد التي استعملها اليونانيون والرومانيون سواء في آثار هرقلية أو بومبي أو في قبور أطباء العيون الرومان، مع أنه عثر على أختام قطرات وملاقط وسكاكين وإبر أخرى، في حين ظهرت رسوم الآلات الجراحية للمرة الأولى في كتاب (
عمل اليد
) للزهراوي، وبعده في كتاب (
المرشد في الكحل
) للغافقي.
ثم ظهرت رسوم أعداد هائلة من الأدوات العينية ومنها المقدح المصمت والمقدح المجوف في كتاب خليفة بن أبي المحاسن الحلبي (
الكافي في الكحل
) وصلاح الدين الحموي في كتابه (
نور العيون وجامع الفنون
). والجديد في كتاب (
الكافي في الكحل
) لخليفة بن أبي المحاسن الحلبي هو الجداول الأنيقة لرسوم الأدوات الجراحية، حيث ظهر اسم الآلة فوق رسمها، ووصف طريقة استعمالها تحتها.
لقد أبدع العرب في جراحة الساد فهم الذين صنعوا وطوروا إبرة الساد من النحاس الأحمر ووصفوها بالتفصيل في معظم الكتب الطبية وتلك المختصة بأمراض وجراحة العين بدءاً (
بتذكرة الكحالين
) لعلي بن عيسى، وكانوا يجرون العملية بقلع الساد وإسقاطه في جوف العين، ولكن عمار بن علي الموصلي هو الذي ابتدع جراحة الساد بإخراجه من العين بعد تفتيته ثم مصه وشفطه بآلة اخترعها وسماها المقدح المجوف. فقد كانت العملية تجرى بالمقدح أو (
المهت المصمت
) الذي كان له قبضة تعادل قبضة اليد، ونهاية جراحية مثلثة أو مدورة هي التي تدخل في العين قرب الإكليل القرني الصلبي من الناحية الصدغية، وبين النهاية الجراحية، والقبضة ـ عنق يبلغ طوله طول السلامية الأولى للإبهام ـ وبين العنق والمقبض خرزة فاصلة، وكان المريض يجلس على وسادة عاطفاً ركبتيه إلى بطنه ومحيطاً بذراعيه حول ساقيه، والجراح يواجه المريض ويجلس أعلى منه بقليل مطمئناً المريض ومهدئاً من روعه، على عكس الطريقة التي كان يربط بها المريض في القرون الوسطى في أوروبا.
ويعود الفضل لعمار الموصلي في دقة كتابة القصة السريرية، وكذلك في دقة وأمانة كتابة التقرير الجراحي أثناء العملية الجراحية. لقد ذاعت طريقة عمار في شفط الساد وانتشرت في العراق وفارس وسورية ومصر، ولم تشع في الأندلس. ولقد كان الرائد الثاني في تطوير جراحة الساد العالم ابن النفيس المكتشف الأول للدورة الدموية الذي جاء بعد 300 سنة من عمار الموصلي، فهو الذي ذكر للمرة الأولى أن الساد يقع خلف العنبية (
القزحية
) وليس أمامها كما كان المفهوم السائد حينئذ، وقد وصف للمرة الأولى عملية استخراج الساد وذلك بالضغط عليه من خارج العين لإخراجه من الجرح أسفل الإكليل القرني الصلبي، وابن النفيس يرى أن أجود الطرق هي المص بالمقدح المجوف إذا أحسن استعماله. وقد أحدث ابن النفيس تعديلات على المقدح المجوف، فجعل حافة إبرته رقيقة كالسيف بدلاً من مثلثة، وجعل على كل سطح من سطوحها المثلثة ميزابة ليسيل منها الماء، وقد نبه للمرة الأولى إلى حقائق مسلم بها، إذ حذر من أذية بطانة القرنية أثناء القدح التي توجب آفة مستدامة وتغيماً وابيضاضاً في القرنية غير قابل  للعلاج، ونبه إلى أن عدم التئام الجرح واستمرار نزف الرطوبات العينية منه يؤدي إلى انخساف العين وضمورها وضياع البصر منها، وهذه الحقائق مسلم بها حالياً.
إشراقات عربية
إن الدراسة المتفحصة الشاملة تبدي ثراء وتميزاً في المستوى الذي وصل إليه طب العين وجراحتها في مختلف أرجاء العالم العربي الإسلامي، من مشرقه إلى مغربه، إبداعات ظهرت في غزارة الإنتاج العلمي، والمؤلفات المنهجية المتخصصة بالكحالة، وعدد المدارس العلمية الطبية والمستشفيات المتخصصة، والاستحداثات الجراحية في العين، ولكن الأندلس كانت مركزاً خصباً للترجمة من العربية إلى اللاتينية، ومن الأندلس انتقلت علوم وحضارة العرب إلى أوروبا، إذ كانت طليطلة مركزاً مهماً للترجمة ومستودعاً ضخماً للكتب والمخطوطات العربية التي نهبت في مكتبات الزهراء بعد سقوطها، وقد ترجم جيراردوس الكريموني. الذي تعلم العربية. ما يزيد على 60 كتاباً من أمهات الكتب الطبية والمجلدات العينية، وكذلك فعل مترجمون آخرون. ومن الأندلس انتقل التراث العلمي الطبي والمخطوطات النفيسة الطبية إلى أوروبا وبخاصة إلى مدرستي باريس ومونبلييه. وقد نقلت الحضارة العربية الإسلامية إلى أوروبا أيضاً عن طريق شمال إفريقيا وعبر جزيرة مالطة وكذلك عن طريق الحروب الصليبية. واليوم بعد أن غفا الزمن قرابة عشرة قرون على عملية شفط الساد، عاد المختصون بالعيون من جديد يستخرجون الساد بتفتيته وشفطه وتنقية العين منه، ولكن بتقنيات حضارية متطورة وبأدوات وأجهزة عصرية بالغة الدقة والتميز. وهكذا كان أجدادنا العظماء بعطائهم الخصيب منطلق نهضة حضارية علمية مدت فروعها إلى العالم أجمع، وكانت الأساس الذي قامت عليه حضارة الغرب الحالية. العرب أسسوا علومهم على جذور من الحضارة الإغريقية ولكنهم خلدوا الحضارة اليونانية وعظموها عندما نبشوا الكتب الإغريقية من أقبية العفن والرطوبة، فترجموها للغة العربية الرشيقة وأعادوا إليها الحياة، ولم يتنكروا لتلك الحضارة ولم يجحدوا فضلها ولم يطمسوا ظلها. أما الغربيون فقد بنوا حضارتهم وعلومهم على أكتاف قواعد كبيرة واسعة من الحضارة العربية الإسلامية، لكنهم تنكروا لتلك الحضارة وجحدوا فضلها وعتموا عليها ونهبوا كنوزها وحاربوا أهلها وفرقوهم أرضاً وشيعاً ومذاهب، ومازالوا يفعلون.
طب العيون في الأندلس
في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، انتقل مركز الثقل في الحضارة الطبية العينية إلى أقصى المغرب العربي الإسلامي في الأندلس، ولم يكن الخلفاء والأمراء في الأندلس أقل اهتماماً بالعلم من أسلافهم العباسيين في المشرق العربي وبغداد خاصة، فقد أحاطوا العلماء الأطباء بالرعاية والإكرام واختصوهم في قصورهم بالمنزلة العالية وهيأوا لهم سبل البحث والتأليف وكان أهمهم خلف بن عباس الزهراوي.
وفي القرن الحادي عشر ظهر أبو المطرف عبدالرحمن بن وافد اللخمي (
1077
) صاحب كتاب (
تدقيق النظر في علل حاسة البصر، ونزهة الأفكار في علاج الأبصار
).
أخذ الأوربيون كثيرا من علومهم عن العرب عندما احتكوا بهم عن طريق جزيرة سقلية وشمال أفريقيا والأندلس والحروب الصليبية ظهر أول رسم لتشريح العين والتصالب البصري والدماغي في كتاب خليفة بن أبي المحاسن الحلبي عام 1266.
وفي القرن الثاني عشر (
1159
)، ظهر كتاب (
القوطي
) الذي يتحدث في الفصل الأول عن صعوبة معرفة تشريح العين، وأن الاستعانة بتشريح عيون الحيوانات لمعرفة عين الإنسان لا تكفي. وفي الجزء الثالث يبدأ الحديث عن أمراض العدسة البلورية.وفي القرن الثاني عشر ظهر أيضاً من الأطباء: عبدالملك بن مروان بن زهر الذي ولد في أشبيلية وتوفي في مراكش عام (
1199
)، وكان طبيب الملك الخاص، وألف كتابه (
التيسير في المداواة والتدبير
) (
1162
)، ولكنه لم يكن يتميز عمن سبقوه بالنسبة لجراحة الساد.
ومنهم أيضاً محمد بن قسوم بن أسلم الغافقي (
1179
) في كتابه (
المرشد في طب العيون
).
لقد كان أهم أطباء الأندلس وأكثرهم شهرة، أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي (
936 ـ 1010
)، وقد ألف موسوعة ضخمة في الطب (
التصريف لمن عجز عن التأليف
) خصص الباب الثلاثين منها للجراحة وسماه (
عمل اليد
). والكتاب ثلاثة أقسام: الأول: يبحث في الكي. والثاني: في الجراحة القاطعة المدماة ومنها جراحة العين، والثالث: في تجبير الكسور. وقد أورد الجراحة القاطعة أو عمل اليد في (
16
) باباً، خصص الباب الثامن منها لجراحة العين وهذه قسمها إلى (
32
) فصلاً كان الأخير منها عن جراحة الساد. لقد اعتمد الزهراوي كثيراً على الكي في معالجاته الجراحية لأمراض العيون، وكان أول من وصف مفاغرة كيس الدمع بجفون الأنف، وذلك بفتح فوهة في عظم الأنف بينهما، ولكن الزهراوي لم يضف جديداً إلى جراحة الساد بل اتبع الطريقة التقليدية في قد الماء بالمقدح أو المهت المصمت، ووصفها في كتابه بإسهاب، ولم يعترف بطريقة القدح بالشفط بالمقدح المجوف وإن كان قد ذكر أنه سمع من أحد القادمين من العراق أن العراقيين اخترعوا مقدحاً لاستخراج الساد بالشفط أو المص، ولكنه اعترف بأنه لم يشاهد أحداً يقوم بتلك العملية، وأنه لا يعرف كيف تجرى ولم يقرأ عنها في كتب اليونانيين، وعلى الأرجح أنها طريقة حديثة.
طب العيون في سورية ومصر
في القرن الثالث عشر، عاد مركز الثقل في تراث طب العيون إلى الشرق العربي في سورية، ثم مصر، حيث كثرت مدارس الطب وكان أهمها المدرسة الدخوارية في دمشق، نسبة إلى عبدالرحيم مهذب الدين الدخوار، الذي كان كحالاً شهيراً تدرب على يديه عدد من أطباء العيون الذين خلدهم التاريخ مثل: خليفة بن أبي المحاسن الحلبي، وموفق الدين ابن أبي أصيبعة، وعلاء الدين القرشي ابن النفيس، ومعظم هؤلاء كانوا كحالين ذوي ثقافة واسعة واطلاع وفير على كل ما كتب قبلهم. وقد اشتهرت المستشفيات التعليمية الكبرى مثل المستشفى النوري في دمشق الذي أسسه الملك نور الدين زنكي، والمستشفى الناصري الذي أسسه صلاح الدين الأيوبي، ثم المنصوري في القاهرة نسبة إلى الأمير المنصور أشرف بن قلاوون. ومن كتب الكحالة الشهيرة التي ظهرت في تلك الفترة (
نتيجة الفكر في علاج أمراض البصر
) للقاضي فتح الدين القيسي (
1250
)، وظهر (
الكافي في الكحل
) لخليفة بن أبي المحاسن الحلبي (
1266
)، وهو أول كتاب يظهر فيه رسم لمقطع تشريح العين والتصالب البصري والدماغ كما أسلفنا، وخليفة كان واسع الاطلاع اقتبس من (
73
) كتاباً و(
41
) مؤلفاً، وقد تحدث بشكل مفصل عن عملية قدح الساد. ويبدو أنه كان جراحاً بارعاً خبيراً في عملية شفط الساد، إذ تحدث عن استخراجه قطعة صغيرة كسرت من المهت أثناء قدح الساد بواسطة المغناطيس، فهو أول من استعمل المغناطيس في إخراج الأجسام المعدنية الداخلة في العين. وقد ذكر أنه قدح عين صقر لأحد الأمراء، وهو يفضل المهت أو المقدح المصنوع من النحاس الأحمر لسهولة رؤيته في العين، وهو ينصح بعدم القدح إذا لم يكتمل الماء.
وأبو الحسن علاء الدين القرشي ابن النفيس، المكتشف الأول للدورة الدموية، كان أيضاً كحالاً مبدعاً ورئيس أطباء المستشفى النوري في دمشق ثم رئيس أطباء المستشفى الناصري والمنصوري في القاهرة، وقد ألف كتاب (
المهذب في الكحل المجرب
)، وكان له دور في تعديل المقدح المجوف، إذ جعل حافة إبرته رقيقة كالسيف، بعد أن كانت مثلثة، وهو الذي أوجد تعبير القدح الناقل والقدح المخرج.
وقد ذكر ابن أبي أصيبعة أن معاصره سديد الدين بن رقيقة كان بارعاً في عملية شفط الساد، وقد أجرى تعديلاً على المقدح المجوف فجعل نهايته منحنية.
وابن النفيس وصف للمرة الأولى طريقة أخرى لاستخراج الساد، وذلك بالضغط عليه ومحاولة استدراجه برأس الإبرة ليخرج عبر جرح أسفل القرنية في الإكليل القرني الصلبي. أما صلاح الدين الحموي فقد ألف كتاب (
نور العيون وجامع الفنون
) (
1297
) الذي يعتبر مفخرة الكتب الطبية العربية في الكحالة، وظهر فيه للمرة الأولى رسم إيضاحي ملون لتشريح العين، وقد تحدث بإسهاب عن علميات القدح سواء بالمقدح المصمت أو المجوف، ولكن لم يضف إليها. ثم انحسر استعمال المقدح المجوف وتراجعت عمليات الساد في القرن الرابع عشر.

* نقلا عن مجلة التقدم العلمي . العدد 58 أكتوبر 2007
 
http://eajaz.org//index.php/component/content/article/92-Number-xxix/972-Medical-achievements-used-worldwide