logo.png
الحسبة في المجال الطبي
طباعة




د. محمد علي البار




المقصود بالحسبة عند فقهاء المسلمين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضبط أمور العامة والخاصة بميزان الشرع الحنيف. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم دعائم الأمة الإسلامية وهو الأمر الذي ميزها عن غيرها من الأمم.

قال تعالى: (
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
) ( آل عمران: 110 ).

وقال واصفاً المؤمنين: (
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
)| ( التوبة: 71 ).

وقد أمر ـ صلى الله عليه وسلم ـ كل فرد من الأمة بأن يغيّر المنكر حسب قدرته حيث قال: (
من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان
) أخرجه الشيخان وأصحاب السنن.

وقد عاب الله تعالى على اليهود في أكثر من آية تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولعنهم الأنبياء ـ عليهم السلام ـ بسبب ذلك:

(
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
) ( المائدة 78، 79 ).

من يقوم بالحسبة: يناط الأمر بالحسبة بولي أمر المسلمين أو من يقيمه ولي أمر المسلمين. وقد قام النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الوظيفة ضمن وظائفه العديدة، فكان يمر على الأسواق ويمنع ما فيها من غرر أو غش. فقد روى مسلم في صحيحة أن رسول الله ـ عليه السلام ـ مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال لصاحب الطعام: ما هذا يا صاحب الطعام؟ فقال ـ الرجل: أصابته السماء ـ أي المطر ـ يا رسول الله. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس. من غشنا فليس منا) وفي رواية (
من غش فليس مني
).

المقصود بالحسبة عند فقهاء المسلمين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضبط أمور العامة والخاصة بميزان الشرع الحنيف. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم دعائم الأمة الإسلامية وهو الأمر الذي مي زها عن غيرها من الأمم.

قال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ( آل عمران: 110 ).

وقال واصفاً المؤمنين: (
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم
) ( التوبة: 71 ).

وقد أمر ـ صلى الله عليه وسلم ـ كل فرد من الأمة بأن يغيّر المنكر حسب قدرته حيث قال: (
من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان
) أخرجه الشيخان وأصحاب السنن.

وقد عاب الله تعالى على اليهود في أكثر من آية تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولعنهم الأنبياء ـ عليهم السلام ـ بسبب ذلك:

(
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
) ( المائدة 78، 79 ).

من يقوم بالحسبة: يناط الأمر بالحسبة بولي أمر المسلمين أو من يقيمه ولي أمر المسلمين. وقد قام النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الوظيفة ضمن وظائفه العديدة، فكان يمر على الأسواق ويمنع ما فيها من غرر أو غش. فقد روى مسلم في صحيحة أن رسول الله ـ عليه السلام ـ مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال لصاحب الطعام: ما هذا يا صاحب الطعام؟ فقال ـ الرجل: أصابته السماء ـ أي المطر ـ يا رسول الله. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس. من غشنا فليس منا) وفي رواية (
من غش فليس مني
).

وقد تولى الخلفاء الراشدون أيضاً هذه المهمة وكان عمر ـ رضي الله عنه ـ يدور في الأسواق ويبحث عمن يطفف المكيال والميزان، كما أنابوا عنهم من يقوم بهذه المهمة الجليلة من يوثق بعلمه وأمانته ودينه. وقد ولى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحسبة سعيد بن العاص في مكة بعد فتحها وجعله مراقباً للسوق فيها.

كما قام عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بتوليه الصحابية الأنصارية أم الشفاء على السوق لمراقبة الغشاشين في البيع والميزان ونحو ذلك.

مهام المحتسب: تعددت مهام المحتسب باتساع المدن الإسلامية فكان يقوم بما تقوم به إدارة البلديات ورئيس الشركة الأخلاقية وهيئة الرقابة وإدارة الشئون الاجتماعية، وما تقوم به وزارة الصحة أو نقابة الأطباء من تنظيم شؤون المهنة الطبية ومثلها ما يلحق بالصيادلة والأطباء البيطريين.. ومكاتب الجودة ومراقبة الموازين والمقاييس والمكاييل.

شروط المحتسب: يذكر الشيزري في كتابه (
نهاية الرتبة في نظام الحسبة
) كثيراً من شروط الحسبة وما يبغي أن يتحلى به المحتسب من العلم العمل والأخلاق الفاضلة الحميدة. قال: (
لما كانت الحسبة أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وإصلاحاً بين الناس وجب أن يكون المحتسب فقيهاً عارفاً بأحكام الشريعة ليعلم ما يأمر به وما ينهى عنه...

وأول ما يجب على المحتسب أن يعمل بما يعلم ولا يكون قوله مخالفاً لفعله، قال تعالى:

(
أَتَأْمُرُونَ الناسَ بِالِبِّر وَتنسون أنفسكمَ
) ( البقرة: 44 )

(
ويجب على المحتسب أن يقصد بقوله وفعله وجه الله تعالى وطلب مرضاته خالص النية لا يشوبه في طويته رياء ولا مراء، ويجتنب في رياسته منافسة الخلق ومفاخرة أبناء الجنس، لينشر الله تعالى عليه رداء القبول وعلم التوفيق، ويقذف له في القلوب مهابة وجلالاً
)...

وقد ذكر المصنف أن الأتابك طغتكين سلطان دمشق (
توفي سنة 522 هـ
) طلب شخصاً ليوليه الحسبة لما عرف عنه من النزاهة والعلم والزهد والصدق, فلما رآه قال (
إني قد وليتك أمر الحسبة على الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
) فقال المحتسب: ( إن كان كذلك فقم عن هذه الطراحة ـ مرتبة يفترشها السلطان ـ وارفع هذا المسند فإنهما حرير، واخلع هذا الخاتم فإنه ذهب، فقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحرير والذهب: (
إن هذين حرام على ذكور أمتي حلال لإناثها
)، (
فنهض السلطان من فوره وأمر برفع المسند والطراحة وخلع الخاتم من يده وقال للمحتسب: قد ضممت إليك النظر في أمور الشرطة
).

وكان هذا المحتسب مثالاً يحتذى به في الصدق والأمانة والهيبة.

وصارت وظيفة المحتسب من الوظائف الهامة في الدولة ويتبعها عدد غير قليل من المعاونين والموظفين التابعين لإدارة المحتسب.

الحسبة على الأطباء: أوكل المقتدر العباسي إلى طبيبه سنان بن ثابت بن قرة امتحان الأطباء قبل أن يسمح لهم بممارسة مهنة الطب فامتحن سنان خلقاً كثيراً ممن يمارس الطب، وأصدر التصريح بمزاولة المهنة لمن رآه متقناً لصنعته منهم، ومنع كل متطفل من مزاولتها (
ذكره ابن أبي أصيبعة في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء
).

ويعتبر نظام الحسبة في الإسلام من أروع النظم التي طبقت في تاريخ البشرية للحفاظ على المصالح العامة، وكان من نتائج نظام الحسبة في المجال الطبي أن منع دخول المتطببين الجهلة إلى ميدان الطب لكيلا يضروا بالناس ويغروا المرضى ويوهموهم أنهم أطباء وهم لا يعرفون من الطب شيئاً. فلم يكن المحتسب أو من يقوم مقامه يسمح للطبيب بالممارسة إلا بعد أن يمتحنه كبار الأطباء ويصدرون له إجازة بالممارسة.

ولم يكتف المحتسب بذلك بل كان يراقب أعمال الأطباء والصيادلة والغشاشين وأضرابهم حتى لا يحدث خلل أو خطأ. وله سلطات واسعة في معاقبة المتعدي عند ثبوت عدوانه. وله أن يمنعه من مزاولة المهنة.

ومنذ أن استقرت وظيفة المحتسب في القرن الثاني الهجري تضمنت الكتب فصولاً تتعلق بالحسبة ووظيفتها مثل كتاب ( الأحكام السلطانية للماوردي ) وكتاب ( الفخري في الآداب السلطانية ) لابن الطقطقي وكتاب ( إحياء علوم الدين ) للغزالي وكتاب ( نهاية الرتبة في الحسبة ) للشيزاري.

ومن أقدم وأجود ما كتب في الحسبة كتاب ( نهاية الرتبة في طلب الحسبة ) للفقيه المحتسب عبدالرحمن بن نصر بن عبدالله، الشافعي المذهب، العدوي النسب ( العدويون هم قبيلة سيدنا عمر بن الخطاب الخليفة الراشد الثاني ـ رضي الله عنه ـ، وهم من فروع قريش ) الشيزري الموطن. ( وشيزر مدينة تقع في شمال سوريا فتحها الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح ( أمين هذه الأمة ) سنة 17 هجرية. واقترن اسمها بأسرة بني منقذ وهم من بطن كنانة تولوا أمرها فترة طويلة من الزمن وصدوا عنها هجمات الصليبيين والقبائل المجاورة والبيزنطيين وذلك في القرن الخامس الهجري ثم استولى عليها نور الدين زنكي وضمها بعد ذلك الأيوبيون إلى مملكتهم في الشام عام 570 هجرية).

وترجع أهمية كتاب الشيزري إلى أنه أو كتاب مستقل يظهر في الحسبة، ثم كان الكتاب المرجع الأول الذي نقل عنه ابن الأخوة القرشي المتوفى سنة 729 هجرية / كتابه ( معالم القربة في أحكام الحسبة ) وابن بسام الذي عاش في مصر في القرن الثامن الهجري والذي أضاف إلى كتاب الشيزري فصولاً جديدة أبقاه على اسمه الأول ( نهاية الرتبة في طلب الحسبة ).

وكان المصنف عبدالرحمن بن نصر الشيزري معاصراً للملك الناصر صلاح الدين الأيوبي وقد أهدى له كتاباً آخر من تصنيفه اسمه ( النهج المسلوك في سياسة الملوك ). وقد توفي الشيزري في نفس العام الذي لقي فيه صلاح الدين الأيوبي ربه، أي عام 589 هجرية / 1193م كما ذكر ذلك بروكلمان.

وقد قام المستشرق فالتربرناور، أمين المكتبة الإمبراطورية بمدينة فيينا بالنمسا بترجمة تلخيصه لكتاب الشيزري وذلك عام 1860م، ثم قام الدكتور السيد البار العريني بدراسة وتحقيق كتاب الشيزري بعد أن حصل على ثمان مخطوطات كاملة للكتاب. ونشرته له لجنة التأليف والنشر والترجمة في القاهرة عام 1944م ثم قامت دار الثقافة في لبنان بتصويره وإعادة إصداره عام 1981م.

ولاشك أن الدكتور السيد البار العريني قد خدم الكتاب خدمة عظيمة فحققه تحقيقاً جيداً، كما أوضح المغلق من معانية وكلماته، وفسرها تفسيراً جيداً عدا كلمات قليلة لم يفهمها وصرَّح بذلك، ولم يعتسف لها معنى لا يعرفه، مثل لفظ القارورة التي تتكرر في كتب الأطباء القدامى. والمقصود بفحص القارورة فحص البول حيث كان الأطباء يطلبون من المرضى فحص بولهم حتى يعرفوا به العلة. وقد أرسل عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ ببوله إلى الطبيب لفحصه. وكذلك فعل عمر بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ.

ومن ميزات كتاب الشيزري في الحسبة أنه أقدم كتاب وصل إلينا في الحسبة، وأنه مرجع لمن أتى بعده. وأنه أسهب في شرح غشوش العقاقير ووصف فروع الطب المختلفة كما أن الكتاب يتميز بوفرة نسخه الخطية الموجودة في المتاحف إذا أحصى المحقق منها 14 نسخة، منها ثمان نسخ في مصر وحدها، وأربع في البلاد الأوروبية.

وسننقل هاهنا بعض ما جاء في الحسبة على الأطباء في مختلف فروع الطب وعلى البياطرة والصيادلة، وما ذكره الشيزري فيما يجب عليهم وما يقومون به من غشوش وواجبات المحتسب نحوهم. في الحسبة على الأطباء والكحالين والمجبّرين والجراحين

قال الشيزري: ( الطب علم نظري وعملي أباحته الشريعة علمه وعمله لما فيه من حفظ الصحة ودفع العلة والأمراض عن هذه البنية الشريفة. والطبيب هو العارف بتركيب البدن ومزاج الأعضاء والأمراض الحادثة فيها وأسبابها وأعراضها وعلاماتها والأدوية النافعة فيها والاعتياض عما لم يوجد منها ( أي الاستبدال بدواء آخر عند فقد الأول ) والوجه في استخراجها ( أي الأدوية ) وطريق مداواتها ليساوي بين الأمراض والأدوية في كمياتها ويخالف بينها وبين كيفياتها، فمن لم يكن كذلك فلا يحل له مداواة المرضى ولا يجوز له الإقدام على علاج يخاطر فيه ولا يتعرض إلى ما لم يحكم علمه من جميع ما ذكرناه.

ثم ذكر امتحان أطباء البلد فمن وجده مقصراً في عمله نهاه عن المداواة وأمره بالاشتغال عند الأطباء المرموقين وقراءة العلم حتى يتمكن من معرفته.

( وينبغي إذا دخل الطبيب على المريض أن يسأله عن سبب مرضه وعما يجد من الألم. ويعرف السبب والعلامة والنبض والقارورة ( المقصود فحص البول إذ كانوا يجمعون بول المريض في قارورة ثم ينظر فيه الطبيب لمعرفة كثافته ولونه وقوامه ووجود الدم فيه… الخ ) ثم يرتب له قانوناً ( أي وصفة طبية وتذكرة للعلاج ) من الأشربة وغيرها، ثم يكتب نسخة بما ذكره له المريض وبما رتبه له في مقابلة المرض، ويسلم نسخته لأولياء المريض بشهادة من حضر معه عند المريض. فإذا كان الغد حضر ونظر إلى دانه وسأل المريض ورتب له قانوناً على مقتضى الحال وكتب له نسخة أيضاً وسلمها إليهم وفي اليوم الثالث كذلك وهكذا إلى أن يبرأ المريض أو يموت.

فإن برئ من مرضه أخذ الطبيب أجرتـه وكرامته، وإن مات حضر أولياؤه عند الحكيم المشهور وعرضوا عليه النسخ التي كتبها لهم الطبيب، فإن رآها على مقتضى الحكمة وصناعة الطب من غير تفريط ولا تقصير أعملهم وإن رأى الأمر بخلاف ذلك قال لهم: ( خذوا دية صاحبكم من الطبيب فإنه هو الذي قتله بسوء صناعته وتفريطه ).

وينبغي للمحتسب أن يأخذ عليهم عهداً بقراط ( بعد تعديله وإزالة القسم بالآلهة والأوثان ) الذي أخذه على سائر الأطباء ويحلفهم أن لا يعطوا أحداً دواء مضراً، ولا يركبوا لهم سماً، ولا يفصلوا التمائم عند أحد من العامة، ولا يذكروا للنساء الدواء الذي يسقط الأجنة، ولا للرجال الدواء الذي يقطع النسل، ويغضوا أبصارهم عن المحارم عند الدخول على المرضى ولا يفشوا الأسرار ولا يهتكوا الأستار.

وينبغي للطبيب أن يكون عنده جميع آلات الطب على الكمال ( وذكر تفصيلاً لهذه الآلات ابتداء من أدوات الأسـنان وانتهاء بعلاج الناصور والبـاصور. ثم قال: ( وللمحتسب أن يمتحن الأطباء بما ذكره حنين ( بن إسحاق ) في كتابه المعروف ( محنة الطب ).

وأما الكاحلون: ( فيمتحنهم المحتسب بكتاب حنين بن إسحاق، أعني العشر مقالات في العين، فمن وجده فيما امتحنه به عارفاً بتشريح عدد طبقات العين السبعة، وعدد رطوباتها الثلاثة، وعدد أمراضها الثلاث، وما يتفرع عن ذلك من الأمراض، وكان خبيراً بتركيب الأكحال ( أدوية العين ) وأمزجة العقاقير، أذن له المحتسب بالتصدي لمداواة أعين الناس.

( ولا ينبغي أن يفرط الكحال في شيء من آلات صنعته مثل صنابير السَبْل ( السبل في العين أن يكون على بياضها أو سوادها شبه غشاء ينتسج بعروق حمر غلاظ ) والظفرة ( وهي غشاء أبيض يمتد من طرف العين القريب من الأنف ويكون على بياضها وسوادها ( Pterygium ).

وأما كحالوا الطرقات فلا يوثق بأكثرهم، إذ لا دين لهم يصدهم عن التهجم على أعين الناس بالقطع والكحل بغير علم ومخبرة ( أي خبرة ) بالأمراض والعلل الحادثة فلا ينبغي لأحد أن يركن إليهم في معالجة عينيه ولا يثق بأكحالهم وأشيافاتهم.

( وأما المجبرون فلا يحل لأحد أن يتصدى للجبر إلا بعد أن يحكم معرفة المقالة السادسة من كناش ( مذكرات ) بولص ( الاجائيطي ).

والمقالة السادسة مختصة بتجبير العظام، وقد نقلها إلى العربية مع المقالات الأخرى حنين بن إسحاق)، وأن يعلم عدد عظام الآدمي وهي مائتا عظم وثمانية وأربعون عظماً، وصورة كل عظم منها وشكله وقدره، حتى إذا انكسر منها شيء أو انخلع ردوه إلى موضعه، على هيئته التي كان عليها، فيمتحنهم المحتسب بجميع ذلك.

وأما الجرائحيون ( الجراحون ): فيجب عليهم معرفة كتاب جالينوس المعروف بقاطاجانس ( وهو السبع المقالات الأولى من كتاب جالينوس وقد نقله إلى العربية حبيش الأصم ابن أخت حنين بن إسحاق وتلميذه ) في الجراحات والمراهم، وأيضاً كتاب الزهراوي في الجراح ( المقالة الثلاثون من كتابه العظيم التصريف لمن عجز عن التأليف )، وأن يعرفوا التشريح وأعضاء الإنسان، وما فيه من العضل والعروق والشرايين والأعصاب ليتجنب الجراح ذلك في وقت فتح المواد ( جمع مدة وهي القيح المتجمع أي الخراج ) وقطع البواسير، ويكون معه دست المباضع، فيه مباضع مدورات الرأس، والموربات، والخربات، وفأس الجبهة، ومنشار القطع، ومجرفة الأذن، وورد السلع ( أورام في الجلد وخاصة في الوجه ) ومرهمدان ( شريط من القماش توضع عليه المراهم ) المراهم، ودواء الكندر القاطع للدم...

في الحسبة على الفصادين والحجامين:

لا يتصدى للفصد إلا من اشتهرت معرفته بتشريح الأعضاء والعروق والعضل والشرايين، وأحاط بمعرفة تركيبها وكيفيتها، لئلا يقع المبضع في عرق غير مقصود أو في عضلة أو في شريان فيؤدي إلى زمانه العضو ( أي يصاب بمرض مزمن ) وهلاك المفصود، فكثير هلك من ذلك.

( ومن أراد تعلم الفصد فليدمن ( أي يداوم ) فصد ورق السلق، أعني العروق التي في الورقة حتى تستقيم يده وألا يفصد عبداً إلا بإذن مولاه، ولا صبياً إلا بإذن وليه، ولا حاملاً ولا طامثاً ( عليها الدورة الشهرية ) وألا يفصد في مكان مضيء، وبآلة ماضية، وألا يفصد وهو منزعج الجنان).

ثم حذر من الفصد في السن القاصر عن الرابع عشر وفي سن الشيخوخة، وفي الأبدان الشديدة القضافة ( النحيلة ).. وفي الأبدان الصفر العديمة الدم، وفي الأبدان التي طالت بها الأمراض...الخ.

ثم يقول ( وأعلم أن العروق المفصودة كثيرة، منها عروق في الرأس وعروق في اليدين وعروق في البدن وعروق في الرجلين، وعروق في الشرايين. فيمتحنهم المحتسب بمعرفتها وبما يجاورها من العضل والشرايين ). ثم ذكر الشيزري هذه العروق بالتفصيل ثم تحدث عن الحجامة فقال:

( الحجامة عظيمة المنفعة، وهي أقل خطراً من الفصادة.. وينبغي أن يكون الحجام خفيفاً رشيقاً، خبيراً بالصناعة فيخف يده في الشروط ويستعجل، ثم يعلق المحجمة، وتكون التعليقة الأولى خفيفة سريعة القلع ثم يتدرج إلى القلع بإبطاء وإمهال. وينبغي للمحتسب أن يمتحن الحجام بورقة يلصقها على آخرة، ثم يأمر بشرطها، فإن نفذ الشرط كان ثقيل اليد سيء الصناعة. وعلامة حذق الحجامة خفه يده وألا يوجع المحجوم ).

وتحدث عن الطب البيطري فقال:

( البيطرة علم جايل سطرته الفلاسفة في كتبهم ووضعوا فيها تصانيف كثيرة، وهي أصعب علاجاً من أمراض الآدميين، لأن الدواب ليس لها نطق تعبر به عما تجد من المرض والألم، وإنما يستدل على عللها بالجس والنظر، فيفتقر البيطار إلى حذق وبصيرة بعلل الدواب وعلاجها، فلا يتعاطى البيطرة إلا من له دين يصده عن التهجم على الدواب بفصد أو قطع أو كي، وما أشبه ذلك بغير مخبرة ـ أي بغير خبرة ـ فيؤدي إلى هلاك الدابة أو عطبها ).

ثم فصل بعد ذلك في النظر في حافر الدابة ورسغها ويدها وكيفية معرفة تلك الأمراض والعلل وإصلاحها ثم قال: ( وينبغي أن يكون البيطار خبيراً بعلل الدواب، ومعرفة ما تحتاج إليه، وما يحدث فيها من العيوب، فيرجع الناس إليه إذا اختلفوا في عيب الدابة. ( وقد ذكر بعض الحكماء في كتاب البيطرة أن علل الدواب ثلاثمائة وعشرون عله منها الخناق ( ضيق في البلعوم والحنجرة ) والخنان ( داء يصيب الدابة فيخرج القيح من المتخرين والدموع من العينين ) وفساد الدماغ ( مرض يصيب الدابة في رأسها فتنكس رأسها وترتخي أذناها وترتعد فرانصها ولا تعرف الدابة طريقها ). والصداع والحمر ( مرض يصيب الدابة في صدرها نتيجة التخمة ) والنفخة ( مرض يمنع الدابة من البول والروث مع التواء في الرأس ) والورم، والمرة الهائجة ( تشتبك قوائم الدابة ويتورم رأسها وحلقها ويغلظ البول ) والديبة ( ورم في صدر الدابة ) والخشام ( داء يصيب الدابة في أنفها فتنتن رائحته )....الخ. وقعد أن ذكر عشرات الأمراض قال: ( ولولا التطويل لشرحته من ذلك جملاً وتفاصيل فلا يهمل المحتسب امتحان البيطار بما ذكرناه، ومراعاة فعله بدواب الناس والله أعلم ).

وتحدث الشيزري على الصيادلة فقال:

( تدليس هذا الباب والذي بعده ـ أي الحسبة على العطاريين ـ كثير لا يمكن حصر معرفته على التمام. فرحم الله من نظر فيه، وعرف استخراج غشوشه، فكتبها في حواشيه تقرباً إلى الله تعالى، فهي أضر على الخلق من غيرها، لأن العقاقير والأشربة مختلفة الطبائع والأمزجة، والتداوي على قدر أمزجتها. فمنها ما يصلح لمرض ومزاج، فإذا أضيف إليها غيرها أحرفها عن مزاجها، فأضرت بالمريض لا محالة فالواجب على الصيادلة أن يراقبوا الله ـ عز وجل ـ في ذلك.

( وينبغي للمحتسب أن يخوفهم ويعظهم وينذرهم العقوبة والتعزير ويعتبر عليهم عقاقيرهم في كل أسبوع ).

ثم ذكر المصنف أمثلة من غش الصيادلة ومن ذلك غش الأفيون بنبات آخر يدعى ماميتا ورقة شبيه بورق الخشخاش، وهو مر الطعم مثله. ويصنع منه أقماع ولبوس تدعى الأشياف. كما أنهم يغشون الأفيون أيضاً بالصمغ ويورق الخس البري. ويغشون الراوند ( وهو ساق نبات إذا استخرج من الأرض وهو رطب يتشقق ويميل إلى الحمرة. ويستخدم في معالجة المغص وأوجاع الكلى وتقلصات الجهاز الهضمي ) بنبتة يقال لها راوند الدواب ( المعرف بالشامي ويستخدم لمعالجة الدواب ) وقد يغشون الطباشير ( وكانت تستخدم إلى عهود قريبة في أدوية الإسهال مع الراوند والأفيون ) بالعظام المحروقة. وقد نبه على أنواع الغشوش المختلفة وكيفية كشفها.

وهكذا ناقش الشيزري مختلف أنواع المهن الطبية وما يجب على المحتسب فيها وما يجب على من يدخل في هذه المهنة، وهو أمر جليل يوضح مدى ما وصلت إليه الحضارة الإسلامية في تدقيقها على مختلف المهن ووضع القواعد الأخلاقية والقانونية لها.






 
http://eajaz.org//index.php/component/content/article/83-Twenty-fifth-issue/856-Hisbah-in-the-medical-field