العلم الطبيعي . . والإيمان بالغيب
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك






العلم الطبيعي . . والإيمان بالغيب

د. محجوب عبيد طه ــ يرحمه الله

الإيمانبالغيب جزء أساسي من عقيدة المسلم. قال تعالى في صفات المتقين:(
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون
) ( البقرة:3 )، وأنواع الغيبيات في عقيدة المسلمين كثيرة، أخبر عنها القرآن وتحدثت بها الأحاديث الشريفة، منها غيبيات مضت ومنها غيبيات تأتي ومنها غيبيات معاصرة هي مما لا يدركه الحس البشري ولا يشمله نطاق الحواس. وهذه الأخيرة هي التي تهمنا في هذا الحديث، منها الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى وقدرته القاهرة فوق العباد والمخلوقات، والإيمان بالملائكة وبالجن والشياطين وبحقيقة أثرهم في حياة الناس، وكل هذا من ثوابت العقيدة وأركانها، مما لا يجوز لمسلم أن ينكره أو يصرفه بالتأويل والتحرير والتمويه.

وإيمان المسلم بالله يقتضي الإيمان بتأثيره اللحظي الدائم على كل مجريات الأمور في الكون، وبصلته المباشرة وأثره على نفوس البشر ودخائل الصدور، ويستعيذ المسلم بالله من الشيطان ووسوسته، ويعلم من صفاته ما جاء به صريح القرآن: (
إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
)( الأعراف: 27 )، و(
الَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ النَّاسِ . مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ
)( الناس: 5، 6 )، و(
وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
)( الزخرف: 36 ). وإذن فعقيدة المسلم تقتضي الإيمان بتأثيرات غيبية عديدة، لا تشملها حواس الناس ولا تدركها، ولكن فعلها حقيقي ويلزم أن يؤخذ في الاعتبار في ما يهم الناس من أمور الحياة. ولكن، كيف هذا والمسلم المعاصر يقف على معطيات العلوم الطبيعية وعلى منهجها وفلسفتها ونتائجها وعلى عظيم أثرها في تغيير أساليب حياة الناس ومعايشهم؟

كثير من الناس، من المسلمين وسواهم من أهل المعتقدات الغيبية، يظن أن في الأمر حرجا أساسيا وتناقضا واضحا لا سبيل لمعالجته ويحسن أن يغض عنه الطرف. وهذا في الحقيقة وهم كبير وفيه سوء ظن بالعقيدة أو بالعلوم الطبيعية أو بالإنسان وصدق تعامله معهما معا ومع الكون والحياة بصفة عامة، ذلك أن الصدق وإخلاص النية وتطهير السريرة وتنقيتها هي من صفات الإنسان السوي ومن الخصائص اللازمة للمؤمنين، ولا يتسق أبدا أن يجمع المؤمن في عقيدته ومنهج حياته بين متناقضات ينكر بعضها بعضا. والاعتقاد بصحة العلم الطبيعي جزء من الدين، لأن العلم الطبيعي يتعلق بالظاهر، وتصديق الظاهر دليل العقل والحكمة، ومن لا يقف عند الظاهر ويتأمله ويربط بين أحواله بالتسبيب والتعليل لا ينتظر منه أن يحسن الاعتقاد بوجود الغيبيات وبحقيقة تأثيرها في الحياة، ولذلك فليس واردا أن نسحب الثقة من العلم الطبيعي، لأن الإيمان بالثابت من العلم الطبيعي هو مقتضى العقل وجزء من الإيمان بصدق الدين. بل إن صريح القرآن الكريم حث على تدبر الكون والكائنات وعلى تأمل خلق الله وإدراك سننه في سلوك المخلوقات وفضل العالمين بهذا على من جهلوه، وهو من جوهر العلم الطبيعي ويتم بوسائله ويحقق أهدافه.

فكيف إذن السبيل للجمع بين العلم الطبيعي والإيمان بالغيب إيمانا حقيقيا يجعل له دورا فعالا في الحياة؟

سبيل ذلك أن نحدد بوضوح معنى وحدود العلم الطبيعي. ودعنا في البداية نقول إن العلم الطبيعي لا يشمل كل ما يهم الناس في حياتهم، مؤمنين كانوا أم ملحدين، وليس ممكنا أن يبني الإنسان حياة منظمة سوية على أسس العلوم الطبيعية ونتائجها، إذ هنالك مفاهيم أساسية للحياة المتحضرة لا يشملها نطاق العلم الطبيعي، منها مثلا مفاهيم العدل والظلم والحق والباطل. وعدم شمول نطاق العلم الطبيعي لمثل هذه المفاهيم الضرورية للحياة الاجتماعية المنظمة ليس أمرا مرحليا يتعلق بالطور الحالي من مسيرة العلم، وإنما هو أمر تقتضيه طبيعة هذه العلوم التي تقصر اعتباراتها على المنهج التجريبي ولا تسمح إلا بالمصطلحات التي تعرف تعريفا إجرائيا عمليا، بمعنى أن كل تعريف علمي توضيح للخطوات التي يلزم اتباعها لنحدد المقدار المعرف انطلاقا من مقادير سبق تعريفها. هذا التقييد من أسس العلم الطبيعي وجوهر منهجه ولا غنى عنه لهذا البنيان الشامخ الذي اتسعت آفاقه وانتشرت تطبيقاته وأثرت نتائجه على حياة الأفراد وعلاقات الدول، ومع ذلك فليس ممكنا أن نثبت على أساس العلم الطبيعي وبمنهجه ووسائله أن السرقة جريمة أو أن الصدق فضيلة. وإذن فنطاق العلم لا يشمل أمورا ضرورية في حياة الإنسان المعاصر، هذه ناحية، أما الأخرى، وهي الأهم، ظن الناس أن العلوم الطبيعية لا تعرف الغيبيات ليس صحيحا، لقد اضطر العلماء الطبيعيون في مراحل عديدة ليأخذوا في الاعتبار تأثيرات يجهلون مصدرها، ثم بنوا على افتراض وجود مصادر لها، نظريات تحدد خواص هذه المصادر المجهولة ومظان العثور على آثار أخرى لها وكيفية متابعتها والتأكد من حقيقة وجودها. من هذه المصادر ما تحول بمرور السنوات وتجويد وسائل التجريب من الغيب إلى الظاهر ومنها ما ظل حتى يومنا هذا مصدرا غيبيا لم يره أحد ولكنه يدخل في الحسابات ولا تصح بدون أخذه في الاعتبار . من أمثل ذلك ( جسيم النيوترينو ) وهو جزء أساسي من نظرية الطاقة العالية في الفيزياء الحديثة، ومع ذلك لم تسجله الكاشفات التجريبية حتى الآن، فوجوده غيبي لكن تأثيره حقيقي لا يشك فيه أحد من المتخصصين في هذا المجال.

وللمرء أن يتساءل: ما دام الأمر كذلك فما سبب الاختلاف إذن حول غيبيات الدين ولماذا لا يعترف العلم الطبيعي بوجود الشياطين مثلا ويدرس تأثيراتهم التجريبية؟ مرد ذلك إلى ضيق نطاق العلم الطبيعي الذي تحدثنا عنه، من ناحية أخرى تمنع أن يشمل اهتمامه تأثير الشيطان، كما منعت الناحية التي ذكرناها من قبل أن يشمل اهتمامه مفهوم العدالة. هذه الناحية هي أن الطريقة العلمية تتطلب التكرار: أن تتكرر الظاهرة بتطابق تام كلما تكررت القرائن الظاهرة المتصلة بها. هذا الشرط تحقق في حالة ( جسيم النيرترينو ): كلما تحققت ظروف معينة يختفي قدر معين من الطاقة دون سبب معلوم. إذن ففرضية وجود شيء ما يظهر في هذه الظروف ويأخذ هذه الطاقة المفقودة فرضية تقع في نطاق العلم الطبيعي، إذ يمكن تكرار الواقعة من اختبار صحتها، هذا الشرط ضروري للطريقة العلمية التجريبية ولا يتحقق في تأثير الشيطان. أخبرنا الله تعالى أنه سخر لسليمان ـ عليه السلام ـ الجن: )وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ| ( سبأ: 12 )، ولم يقل لنا أنه سيسخر الجن لكل رجل على ما كان عليه سليمان من الصلاح والتقوى، بل إن القرآن وضح أن هذا التسخير استجابة لسؤال سليمان ربه أن يعطيه ملكا فريدا لا يتكرر، إذ قال: (
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي
)( ص: 35 ). وأثر الغيبيات العقائدية في حياة الناس على نحو عام، ليس مما يتكرر تكرارا تطابقيا بتحقيق الأحوال المقارنة له، بل إننا لا نحسن تحديد هذه الأحوال على ما يلزم في تحديد ظروف التجارب. يدعو المرء بالدعاء في حال يراها من دواعي تحقيقه وقد يستجاب له أو لا يستجاب وقد يعود لمراجعة حاله ويتهم صدق توجهه وصفاء نيته، وهذه أمور لا تخضع لقياس ولا تطيقها أوعية العلم الطبيعي. وخلاصة القول إن هناك أمورا في الحياة هامة وضرورية للأفراد والمجتمعات، ولا يضيرها إلا أن يشملها العلم الطبيعي في ما يشمله من المفاهيم والاهتمامات، وليس هنالك تناقض بينها وبين العلم الطبيعي، من هذه الأمور ما يهم كل الناس، مؤمنين كانوا ام ملحدين، ومنها ما يهم المؤمنين بالغيبيات العقدية دون سواهم. ولا يوجد تناقض بين هذه الأمور والعلم الطبيعي، وهي جوانب من حياة المؤمن واهتماماته يكمل بعضها بعضا، وكلها من فضل الله على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.