العلاج بالخلايا الجذعية (خلايا المنشأ)
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



 عبد الحكيم هاشم

إن مما يرويه لنا تاريخ الطب ويحدثنا عنه أطباء زماننا أن الأطباء منذ القدم جيلاً بعد جيل وأمة إثر أخرى كانوا يلجئون في علاج الإنسان إلى ما يحيط به من أدوية تشفي بإذن الله مرضه ، وتبرئ بقدرة الله سقمه؛ على اختلاف في مناهجهم وتنوع في مدارسهم شرقاً وغرباً.

 

وفي هذا الزمان يمم الباحثون وجوههم شطر الغوص في أعماق خلق الإنسان فبدأت تتكشف لأهل العلم أنوارٌ من عجائب خلقه ونبذٌ من جمل إعجاز الخالق في تكوينه ، مما يمكنهم من أن يجدوا فيه دواء لأدواء وقف الطب حائراً أمامها، عاجزاً عن التغلب عليها، فما أصدق قول الإمام علي كرم الله وجهه :

 

 دواؤك فيك وما تشعـر           وداؤك منك وما تبصـر

وتحسب أنك جرم صغير           وفيك انطوى العالم الأكبر (1)

 

وفي هذه الزاوية نتحدث عن واحد من أهم وأعظم الأمثلة على ذلك ؛ وهو ما يسمى بـ (الخلايا الجذعية، أو خلايا المنشأ Stem cells) اعتمادا على بحثين مقدمين للدورة السابعة عشرة للمجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة من خبيري المجمع الأستاذ الدكتور محمد علي البار، والأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز الكريم.

 

ما هي الخلايا الجذعية ؟

(هي خلايا موجودة في الجنين الباكر ثم يقل عددها بعد ذلك ، ولكنها تستمر  إلى الإنسان البالغ في مواضع معينة ، وهذه الخلايا لها القدرة بإذن الله تعالى لتشكل مختلف أنواع خلايا الجسم والتي تقدر بأكثر من 220 نوعاَ من الخلايا المختلفة الأشكال والأحجام والوظائف) (2) .

( وتوجد هذه الخلايا في التكوين الجنيني لما بعد ولادته ، وتعتبر مصدراً لبعض أنواع الأنسجة ، خاصة الخلايا الجرثومية  Germ cells ( وهي تعطي الخلايا الجنسية ) ، وخلايا الدم، وخلايا الجلد، وقد عرفت فيما بعد باسم الخلايا الجذعية البالغة Adult stem cells ) (3) . ( أما الخلايا الجذعية التي حركت المعامل وتعلقت بها الآمال بعد الله سبحانه وتعالى في علاج العديد من الأمراض فهي الخلايا الجذعية الجنينية Embryonic stem cells  التي وصفت بأنها سيدة الخلايا لأنها بمثابة (الكل) حيث لها قابلية التحول إلى أي نوع من أنواع خلايا الجسم وفق معاملات بيئية محددة في المختبر، وقد نشرت مجلة Nature في عدد نوفمبر 1998م نتائج الأبحاث التي تثبت ذلك التحول ، وكانت الثلاثة الأعوام السابقة حافلة بالتركيز على هذه الخلايا، سواء منها الخلايا الجذعية الجنينية أو البالغة)(4). 

 

مستقبل الخلايا الجذعية في علاج الأمراض :

( وتقوم فكرة الاستفادة من الخلايا الجذعية في علاج الأمراض على اعتبار قدرتها أن تعطي كافة أنواع الخلايا والأنسجة مثل خلايا القلب والكبد والكلى والدم والعظام والدماغ وبالتالي فإن مستقبلها في مداواة العديد من الأمراض والتشوهات الخلقية خاصة أنواع السرطان والبول السكري والفشل الكلوي أو الكبدي أو بعضاً من أمراض القلب أو الجهاز العصبي وآخرها ـ أقصد أمراض الجهاز العصبي ـ هو الأقرب في الأبحاث هذه الأيام . فعند توفر الخلايا الجذعية تحل محل الخلايا المصابة أو التي توقفت وظائفها وذلك بطريقة الاستزراع الموضعي أو بطريقة الحقن الوريدي ، وحيث إن الطب الحديث عجز عن علاج  العديد من هذه الأمراض فإن الخلايا هي الأمل بعد الله سبحانه وتعالى ) (5) ، (كما يمكن استخدام الخلايا الجذعية في تطوير العديد من العقاقير ومعرفة آثارها الجانبية حيث يوفر ذلك وقتاً وجهداً ويجنب الوقوع في العديد من الأعراض الجانبية بعد معرفتها على المستوى الخلوي .. كما أن للخلايا الجذعية فوائد كبيرة في الدراسات البيولوجية خاصة في التمايز الخلوي Cell differentiation  وعلاقة ذلك وأوجه الشبه والاختلاف بين الخلايا الجنينية والخلايا السرطانية للوصول إلى كنه معضلة السرطان وسبر أغواره وأسبابه) (6).

 

 ويمكن الحصول على الخلايا الجذعية من العديد من المصادر، وهي :

1. الجنين الباكر (الكرة الجرثومية أو البلاستولا ) وبالذات من كتلة   الخلايا الداخلية .

2. الجنين الباكر ( الخلايا الجنسية الأولية أو ما يعرف بالخلايا الجرثومية الأولية Primordial Germ Cells  وهذا الجنين عمره عدة أسابيع ( 4 ـ 5 أسابيع ) على عكس الخلايا الجذعية المأخوذة من كتلة الخلايا الداخلية من (البلاستولا) التي لا يزيد عمرها عن بضعة أيام (أربعة إلى ستة أيام) .

3.   الأجنة المسقطة في أي مرحلة من مراحل الحمل .

4.   المشيمة والحبل السري بعد الولادة مباشرة .

5.   من خلايا الأطفال الأصحاء .

6.   من خلايا البالغين بواسطة الاستنساخ أو مباشرة )  (7) .

 

 إن وسيلة عظيمة من وسائل التداوي والعلاج بهذه الأهمية والفوائد الكبرى  جدير أن ينهض لها فقهاء الإسلام لدراستها وتوضيح حكم الله في التداوي بها ، لذا فقد نظر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في موضوع : (الخلايا الجذعية) في دورته السابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة  من 19ـ23/10/1424هـ، وبعد الاستماع إلى البحوث المقدمة في الموضوع وآراء الأعضاء والخبراء والمختصين ، والتعرف على هذا النوع من الخلايا ومصادرها وطرق الانتفاع منها ، اتخذ المجلس القرار التالي(8): 

أولاً / يجوز الحصول على الخلايا الجذعية وتنميتها واستخدامها بهدف العلاج أو لإجراء الأبحاث العلمية المباحة ، إذا كان مصدرها مباحاً ، ومن ذلك على سبيل المثال المصادر الآتية :

1.   البالغون إذا أذنوا ، ولم يكن في ذلك ضرر عليهم .

2.   الأطفال إذا أذن أولياؤهم لمصلحة شرعية وبدون ضرر عليهم .

3.   المشيمة أو الحبل السري ، وبإذن الوالدين .

4. الجنين السقط تلقائياً أو لسبب علاجي يجيزه الشرع ، وبإذن الوالدين ، مع التذكير بما ورد في القرار السابع من دورة المجمع الثانية عشرة بشأن الحالات التي يجوز فيها إسقاط الحمل .

5. اللقائح الفائضة من مشاريع أطفال الأنابيب إذا وجدت وتبرع بها الوالدين ،مع التأكيد على أنه لا يجوز استخدامها في حمل غير مشروع .

 

ثانياً / لا يجوز الحصول على الخلايا الجذعية واستخدامها إذا كان مصدرها محرماً ، ومن ذلك على سبيل المثال :

1.   الجنين المسقط تعمداً بدون سبب طبي يجيزه الشرع .

2.   التلقيح المتعمد بين بييضة من متبرعة أو حيوان منوي من متبرع .

3.   الاستنساخ العلاجي .

ــــــــــــــــ

الهوامش

1)    ديوان الإمام علي أمير المؤمنين وسيد البلغاء المتكلمين .

2)  الخلايا الجذعية والقضايا الأخلاقية والفقهية ، ا.د. محمد علي البار ، بحث مقدم للدورة السابعة عشرة للمجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة .

3)  الخلايا الجذعية : نظرة علمية ، ا.د. صالح بن عبد العزيز الكريم ، ص 3 ، بحث مقدم للدورة السابعة عشرة للمجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة .

4)    المرجع السابق ، ص 3 .

5)    المرجع السابق ، ص 11 .

6)    المرجع السابق ، ص 15 .

7)    الخلايا الجذعية والقضايا الأخلاقية والفقهية ، مرجع سابق ، ص 35 .

8)  القرار الثالث في الدورة السابعة عشرة بشأن موضوع : الخلايا الجذعية ، من كتاب قرارات المجمع الفقهي ، ص 34 .