إشراقة
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



إشراقة

معالي الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي


أمين عام رابطة العالم الإسلامي


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد:

عندما طلب مني أخي الدكتور صالح الكريم رئيس تحرير مجلة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة أسهم بكتابة افتتاحية العدد التاسع للمجلة بادرت بالموافقة رغبة مني في المشاركة معهم في أجر العمل الدعوى الجليل الذي يقومون به، إلا أنني وجدتني أمخر عباب بحر زاخر لا ساحل له يحار البحار فيه من أين يبدأ رحلته؟!



كتاب ربك والرحمن أنزله فلا يدانيه لا شعر ولا خطب

آياته كلما رتلتها جدد يفني الزمان ولا يفني به العجب

وحي من الله لا يأتيه باطلهم وكله درر ما شابها ريب



أجل... فهو الكتاب المعجز الذي طالما وجد فيه الأدباء والبلغاء منهلهم، ووجد فيه العلماء والفقهاء منبعهم، ووجد فيه المؤرخون واللغويون مصدرهم، فها هم علماء الطب والصيدلة والأحياء والزراعة وطبقات الأرض وغيرهم من المتخصصين في العلوم الطبيعية والتجريبية يجدون فيه إشارات ضوئية ودلالات هادية مكنتهم من تفسير ظواهر طالما حارت فيها علومهم، وقصرت دونها فهومهم، فنحن أمام العدد الضخم من الآيات الكونية في كتاب ربنا تشير إلى مجالات اختصاص تلك العلوم، فمنها ما تعرض لوصف الأرض وشكلها وكيفية تكوينها، ومنها ما يتحدث عن الزلازل والبراكين والجبال والمعادن، ومنها ما أشار إلى الرياح والسحاب والأمطار، ومنها ما تحدث عن الحيوانات والحشرات والنبات، ومنها ما تعرض لبدء الخلق ونهاية الكون، وغيرها الكثير مما لا قبل لنا بحصره في هذه العجالة، ويكمن وجه الإعجاز في تلك الآيات أنها نزلت منذ خمسة عشر قرناً والعلم يومئذ بسيطة علومه نادرة مخترعاته عديمة مختبراته، ثم أنه نزل على أمة أمية لا تكتب ولا تحسب ولا طاقة لأبنائها باستقراء ظواهر الكون واستنباط تفسيرها، وأخيراً لأن تلك الآيات المباركات نزلت على محمد الأمي. عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. الذي علم المتعلمين، وأرسله ربه رحمة للعالمين، ولم يكن من معلم سوى الله العليم الحكيم.

كتاب خص النبي محمد فكان مدى الأيام معجزة كبرى

ففيه من الإعجاز ما الفكر عاجز وفيه من الإيجاز ما حير الفكرا

تحدي به الأقوام فالكل مفحم ومن أين للفحام أن يصنع الدرا



لقد بقيت هذه الآيات المعجزات كنوزاً مخفية على مدى القرون والأزمان، وأن كانت معلومة الدلالة في لغة العرب، وكأنما أدخرها الله لمن يسبر غورها حتى قيض لها تلك الثلة المباركة من شباب المسلمين على مختلف أوطانهم الذين لم يشغلهم طلب العلوم الدنيوية النافعة عن كتاب ربهم وعلوم دينهم، بل كان كل إنجاز علمي يوفقهم الله له يقربهم منه ويدعوهم إليه، حتى التفتت قرائحهم النيرة إلى تلك الدلالات المعجزة في كتاب ربنا وسنة نبينا، فأخذوا على عاتقهم مهمة نشر تلك الحقائق الناصعة بين العالمين، مسلمهم وكافرهم، لتكون من وسائل الدعوة الإسلامية وأنجعها في عصر اختار قومه العلم سيدا والتجريب رائداً، فما أجمل صنعهم وما أحسن تأثيرهم، وهذا ما نجده طرفاً منه في الجهود لهيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ومجلتها الغراء التي تتشرف باحتضان رابطة العالم الإسلامي لها ورعايتها.

وسيجد القارئ في هذا العدد ما يؤكد هذا المعنى، ففي مواده ما يتحدث عن الإعجاز العلمي في السمع والبصر والفؤاد، وما يشير إلى العلاج بالجينات ويرها من الموضوعات النافعة التي تصب في إطار ما تحمله الهيئة من رسالة جليلة وما تتوخاه من أهداف نبيله، ومما يثير الإعجاب في عناوين هذا العدد مواكبته للحدث، فقد تناول العدد موضوعين مهمين، أحدهما مرتبط ببلاء وقع في إحدى بقاع مملكتنا الغالية، وقد بذلك حكومة خادم الحرمين الشريفين ـ أيده الله ـ جهدها في الأخذ بالأسباب النافعة في مواجهته، ثم رفعه الله عنا بفضله ومنته وهو موضوع ( البعوض والكائنات الدقيقة في القرآن الكريم ) والآخر متعلق بوباء شغل العالم وعجزت عن مقاومته وسائل العلم في الدول المتقدمة، نسأل الله أن يعافي المسلمين من شره وهو موضوع ( الحمى القلاعية.. الوباء الفاتك ).

وأخيراً فإن مما يبهر العقول ثم ينير لها الطريق ويجدد لها مسار المحجة البيضاء، تلك الحجج والبراهين التي تلاقت في تلاحم واتساق بين آيات كتاب الله، وآياته في الكون، وتلاقيهما في تقرير الحقائق وفي ذلك برهان على أن من خلق الأكوان هو وحده الذي أنزل القرآن وعلم نبينا محمداً -صلى الله عليه وسلم - الإيمان والعمل الصالح، ليجد الإنسان الأمان في حصون الرحمن تحت راية القرآن.

لقد أطلعتني رئيس تحرير المجلة على عناوين الأبحاث فيها، وإذ يسرني أن أشكر سعادته والمتعاونين معه وكتاب هذا العدد، فإني أرجو أن يكونوا وفقوا فيما كتبوا فيه من التقيد بالقواعد الشرعية فيما يتعلق بتفسير كتاب الله العظيم، واستنباط الحكم والأحكام منه، ومن سنة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخذ العبر مما فيهما، وتتناولهما بالشرح والبيان، وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل العمل خالصاً لوجهه الكريم، وفق سنة نبيه الأمين، فإنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وسلم.