القرآن الكريم .. والقيمة العلمية
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



القرآن الكريم .. والقيمة العلمية

لو نظرنا إلى القرآن الكريم من الناحية الجوهرية، وبعيداً عن التعصبية المذهبية وبصرف النظر عن أخطاء المتكلفين في تفسيراتهم، وبالاستقراء في تفسير المعتدلين الذين فسروا القرآن علميا، وفق المنهجية الصحيحة في التفسير، لوجدنا أنه لا يخلو من قيمته العلمية فهو تفسير له قيمته العالية بين أنواع التفاسير .

وذلك راجع إلى كونه يتعلق بالقرآن الكريم ـ دستور الأمة ومنهاجها القويم ـ من عدة أوجه نوجزها فيما يلي:

دورة في إظهار علل الأحكام التشريعية وفهمها:

فالتشريع الإسلامي هو عبارة عن أوامر ونواهي من الله ـ سبحانه وتعالى ـ لعباده، لدفع الشر عنهم ومجلبة الخير لهم، بواسطة القرآن الكريم المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم . ولاشك أن الأوامر والنواهي القرآنية لا تخلوا من العلل القوية، أو الحكم التشريعية، وجميعها في مصلحة البشرية . ومن المعروف أن هذه العلل أو الحكم منها ما أخفاه الله عن عباده كالعلة من عدد الركعات في الصلوات الخمس، والعلة من كون الطواف سبعة أشواط فقد جاء الأمر بالصلاة والحج وبيان الحكمة منهما، وأخفى عن عباده الحكمة من عدد الركعات والأشواط لحكمة لا يعلمها إلا هو ـ سبحانه وتعالى ـ ومنها ما أظهر عللها أو الحكمة من تشريعها، في صورة إشارات لفظية في القرآن الكريم، ويزداد بيانها وتفصيلها كلما تقدمت البشرية علمياً، وهذا دور التفسير العلمي للقرآن الكريم الذي يربط بين الحقيقة العلمية الصحيحة والآيات القرآنية، لبيان مدلول الآيات أو الزيادة من مفهومها بأسلوب علمي خاضع لمنهجية صحيحة.

والإنسان مطالب بطاعة مطلقة سواء تجلت أمامه المقاصد من الأوامر والنواهي أم لم تتجلى . ومن الأوامر المعللة في القرآن الكريم (الأمر بإقامة الصلاة والاستعانة بها )، حيث أمر الله بإقامتها والاستعانة بها في آيات كثيرة منها قوله تعالى (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) البقرة 35.

وبين شيئا من حكمتها في آيات أخر منها قوله تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) العنكبوت 45، قال أبو العالية في قوله تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) قال إن الصلاة فيها ثلاث خصال فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخصال فليست بصلة: الإخلاص والخشية وذكر الله، فالإخلاص يأمره بالمعروف والخشية تنهاه عن المنكر وذكر الله القرآن يأمره وينهاه . تفسير بن كثير. وقال ابن عمر:

الصلاة هنا القرآن والمعنى: الذي يتلى في الصلاة ينهى عن الفحشاء والمنكر وعن الزنى والمعاصي. ( تفسير القرطبي ).

ونلخص القول من هذا أن الصلاة تربي النفس وتقوم السلوك وتصلح المجتمع، لما فيها من إخلاص وخشية وذكر الله.

وأما ما فيها من قيام وسجود وركوع - وكلها حركات بدنية تعبدية مأمور بها في القرآن الكريم - فقد أثبت العلم الحديث بأنها حركات رياضية تقوي البدن وتصلحه.

وبذلك يتبين لنا أن الصلاة عبادة وعيادة حقاً، فإلى جانب مكانتها المهمة كركن من أركان الإسلام فإنها تجعل المسلم يمارس رياضة منتظمة، تساعده على بقاء مفاصله وعضلاته وأربطة جسمه تعمل في حالة جيدة بل إن الصلاة يمكن أن تكون مؤشراً فاعلاً لإصابة أي عضلة أو مفصل بالجسم، حيث تظهر الأعراض المرضية أو آثار الإصابة بوضوح على المصلي في وقت مبكر . فالبحوث العلمية الحديثة التي تظهر الحكمة من فرضية الصلاة كثيرة ولسنا بمعرض الحديث عنها . ومن الأوامر الربانية المعللة أيضاً في القرآن الكريم ـ الأمر بالصيام ـ فقد أمر الله به وأظهر الحكمة منه على سبيل الإجمال ـ وهي التقوى ـ في أية واحدة قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) .

وقد بين لنا المفسرون الحكمة من فرضية الصيام، فقال بن كثير في تعريف الصيام والحكمة منه:

هو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله عز وجل لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة . ولأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان ( تفسير ابن كثير ) وذكر القرطبي في تفسير (لعلكم تتقون ) قيل:

معناها هنا تضعفون فإنه كلما قل الأكل ضعفت الشهوة وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي. ويقول ابن القيم:

(وفي الصوم الشرعي من أسباب حفظ الصحة، ورياضة البدن والنفس ما لا يدفعه صحيح الفطرة ) الطب النبوي ص 193 . ثم يأتي العلم باكتشافاته الحديثة، ليضيف مفاهيم علمية حديثة، تزداد بها الحكمة من الصيام وضوحاً وبياناً، فيثبت أن الصيام علاج لكثير من الأمراض كأمراض السكر والضغط والقلب .. الخ.

وقد قامت بالفعل في أوروبا مصحات عديدة يتخذ الصوم فيها كعلاج رئيسي لكثير من الأمراض وخاصة اضطرابات الهضم، والبدانة، وبعض أمراض القلب والكبد والبول السكري، وارتفاع ضغط الدم، ومن هذه المصحات:

أ ـ مصحة الدكتور ( هيزيج لاهمان ) في درسون بسكسونيا

ب- مصحة الدكتور ( برشربذ )

ج- مصحة الدكتور ( مولر )

ومن هذا العرض الموجز يتبين لنا أهمية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، ودوره في فهم العلل من الأوامر الشرعية الكامنة في آيات القرآن الكريم، ناهيك عن دوره أيضاً في فهم العلل من النواهي الشرعية كالنهي عن الزنا واللواط والجماع في المحيض وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير .. الخ، والمشار إليها في آيات القرآن الكريم، والتي كثيرت فيها البحوث العلمية ولسنا هنا بصدد الحديث عن تفاصيل ذلك.

ومن هنا نستكشف القيمة العلمية للقرآن الكريم لإثبات ربانية القرآن لمن يشكك في ربانيته، وزيادة اليقين لمن يؤمن بعظمته، وذلك من خلال إظهار تعليلات أوامره ونواهيه . والباحث في القرآن الكريم يجد أن الله تعالى يعلمنا أسلوب التعليل مبيناً لنا أهميته في استقرار النفس البشرية، وذلك من خلال قصص الأنبياء بالطمأنينة الروحية، سواء كانت تعليلات بالمشاهدة العينية كما جاء في قصة إبراهيم عليه السلام قال تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلي ولكن ليطمئن قلبي ) البقرة 260.

أم تعليلات بالقناعة العقلية العينية الناتجة عن الدلالات المنطقة المشروعة، كما في قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح، والتي أظهرت أهمية التعليل في استقرار النفس البشرية، والتي قد لا يصبر الإنسان على عدمه، كما لم يصبر موسى عليه السلام على كتمان العبد الصالح لتعليل تصرفاته من خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار، الأمر الذي دفع العبد الصالح إلى إقرار الفراق بينه وبين نبي الله موسى عليه السلام وتعليل تصرفاته لتستقر نفس موسى عليه السلام، قال تعالى:

( قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا * أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً * وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً … ) الكهف 78-80 .

وقد أضحى الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، خاصة في الآونة الأخيرة ـ حيث الطفرات العلمية المتقدمة ـ من الطرق التي يلتمس فيها الإنسان فهم آيات القرآن الكريم عامة، وآيات الأحكام خاصة، وبيان ما فيها من تعليلات علمية وبأسلوب يسهل على العامة والخاصة إدراكه، ليزداد به المؤمنون إيماناً، ويرتاب به الكافرون في كفرهم، فلا يجدون علاجاً لارتيابهم واستقرار نفوسهم إلا الإيمان بربهم .

كونه وسيلة لفهم توحيد الربوبية:


فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان عبثا، وإنما خلقه لحكمة بالغة، وغاية سامية، شرفه بها وهي توحيد الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبودية قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات 56

ومن المعلوم أن العبادة لا تقبل إلا بالتوحيد، ولا يتحقق التوحيد إلا بتمام معرفة الله سبحانه وتعالى قال الخليدي في معرفة الله: وهو أول الفرض الذي لا يسع المسلم جهله، ولا تنفعه الطاعة ـ وإن أتى بجميع طاعة أهل الدنيا ـ ما لم تكن معه معرفة وتقوى .

إذ ليس من المعقول أن يعبد الإنسان رباً لا يعرفه !! وإذا كانت معرفة الله سبحانه وتعالى غاية الإنسان، فإن النظر والتأمل في الكون هما الوسيلة لتحقيقها .

يقول الشيخ الغزالي ـ رحمه الله ـ لا سبيل إلى معرفة الله عن طريق التأمل في ذاته، فإن الوسائل معدومة، وإنما طريق التعرف على الله يبدأ من التأمل في خلقه، وعن طريق التفكير السليم في الحياة والأحياء، وباستخلاص المعارف القيمة الخارجة من الأرض أو النازلة من السماء .

يمكننا أن ندرك طرفاً من عظمة الخالق الأعلى، وما ينبغي أن يوصف به من كمال والناظر في القرآن الكريم يجد أنه يحث على النظر والتدبر في الكون المنظور في آيات كثيرة منها قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير ).
وقال تعالى: (فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير ).

والنظر في الكون والتفكر فيه ـ بقدر طاقة الإنسان ـ يهدي العقل السليم إلى وجود رب خالق مدبر لهذا الكون، ، كما هدى البدوي في الصحراء إلى ذلك قديما . فإن هذه العوالم العلويات والسفليات لابد لها من موجد أوجدها ويتصرف فيها ويدبرها . ومحال أن توجد بدون موجد ومحال أن توجد أنفسها ( معارج القبول ) .

أما في القرن العشرين فقد طاف العلماء بمراكب الفضاء حول الأرض، وبلغوا القمر، وطمحوا إلى بلوغ كواكب أبعد غوراً في أعماق الفضاء، ونقبوا في طبقات الأرض، وغاصوا في أعماق البحار، وشاهد العالم تقدماً علمياً في مختلف المجالات، لم تشاهده البشرية من قبل وتتجلى لنا أهمية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم في الجانب العقائدي ـ خاصة في عصر كثرت في الفلسفات والإيمان بالمحسوس ـ من حيث كونه علما يعين الإنسان على الإيمان بالله سبحانه وتعالى . وذلك من خلال دوره في الربط بين الحقائق العلمية أو الكونية الصحية، وبين إشارات القرآن الكريم، ليثبت للناس سبق القرآن الكريم لهذه الحقائق العلمية التي لم تكتشف إلا في العصور الحاضرة وهذا يدل دلالة قطعية على صدق القرآن الكريم وأنه من عند الله تحقيقاً لقوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق …) الآية
كما يدل من جانب آخر على عدم التعارض بين كتاب الله المسطور وكونه المنظور، فيتوجه العقل المنصف بالفطرة السليمة إلى الإيمان برب كون وفاطره، والمدبر لشؤون الخلق والرزق والموت والحياة فيعبده حق العبادة .

ويوجد في هذا المجال كثير من البحوث العلمية المحكمة ـ علميا ـ من قبل هيئات وعلماء متخصصين في مجال التفسير العلمي للقرآن الكريم، والتي أظهرت عظمة القرآن الكريم وإعجازه، من خلال براعته في الكشف عن حقائق علمية كونية صحيحة لم تعرفها البشرية من قبل، في مجال خلق الإنسان والوقاية الصحية، وعلوم الأرض والبحار وعلوم الأرصاد والفضاء .. الخ .

وهذا ما دعى كثير من العلماء المنصفين غير المسلمين أن يشهدوا للقرآن الكريم أنه وحي من عند الله وأن محمد صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله عندما اطلعوا على هذه الحقائق المدهشة بل وبعضهم أعلن الدخول في الإسلام في المحافل العلمية وأمام الملأ مما يبين أهمية أبحاث الإعجاز العلمي وضرورة نشرها دعماً لتوحيد الألوهية والربوبية .