زواج الكروموزومات
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك




زواج الكروموزومات

ترجمة من :( Scientific American ( February2001

طالة الزوجية كروموزون الذكورة ( Y ) وكروموزوم الأنوثة ( X ) فربطت بينهما بعقد زواج أبدي لا ينفصم عراه وكأنه لا مناص من الزوجية على كافة المستويات، وكروموزوم الأنوثة لا يختلف كثيرا عن بقية الكروموزومات ولكن المدهش أن كروموزوم الذكورة يتسم بشكل فريد وكأنه يحتفظ بهيبته وتميز وظيفته، "لماذا يتمايز زوج الكروموزومات الجنسية دون بقية أزواج الكروموزمات ؟"، والتساؤل عند المختصين يعني فروضا لا يقبل منها سوى القابل للاختبار وتؤيده التجربة ولا تكفيهم الإجابة "هكذا هي طبيعة الأشياء".

وفي دنيانا يتخير الإنسان زوجة تماثله، وفي عالم الكروموزومات ( الصبغيات أو الفتائل الوراثية ) التي تحدد الجنس تتحتم الزوجية ولكن بلا تماثل في الشكل حيث يأخذ الكروموزوم المحدد للأنوثة شكل X ويأخذ الكروموزوم المحدد للذكورة شكل Y، وبقية أزواج الكروموزومات في خلايانا وعددها 22 زوجا تسمى بالفتائل الجسدية، وفي كل زوج تماثل كل فتيلة شريكها تماما في الحجم ونوعية الجينات ( مورثات الصفات ) رغم أنه في كل زوج تأتي فتيلة من الأم وشريكها من الأب، وتحمل الجينات القادمة من كل من الأب والأم مخططات وراثية صارمة بهيئة ترتيبات مقررة من الأحماض النووية DNA، ولذا يتشاور كل زوج منهما في تناسق وانسجام مدهش لتوجيه عمليات بناء البروتين اللازم للعمليات الحيوية في الخلية والجسم كله.



دعنا إذن في ضوء هذه الصورة البالغة التبسيط نحاول أن نتفهم سر هذه المفارقة العجيبة التي لفتنا إليها كروموزوم الذكورة Y بتمايزه عن شريكه كروموزوم الأنوثة X، فعلى غير المتبادر من صفة الذكورة تجد الكروموزوم Y ضئيل وضعيف البنية وهزيل مقارنة بكروموزوم الأنوثة X، والكروموزوم Y فوق ذلك ليس له أنساب من الجينات على الكروموزوم X رغم أن الأخير يحمل ما قد يبلغ 2000 ـ 3000 جين، ولكي يصبح اللغز محيرا أكثر فإن كروموزوم الذكورة Y هذا يحوي كمية لا بأس بها من الأحماض النووية مما لا يعرف له وظيفة محددة حتى الآن في توجيه العمليات الحيوية لذا يكتفى بتسميته "المخزون الوراثي".

وحتى الوقت الحاضر لم يجد المختصون بعلم الأحياء تفسيرا مقنعاً بعد لتمايز الكروموسومات الجنسية، ومنذ سنوات قلائل كانت الفروض كثيرة والقليل منها قابل للاختبار، ولكن اليوم قد تغير الوضع كثيرا مع التقدم التقني الكبير والثورة المحمومة لكشف أسرار الجينوم البشري وحل رموز الشفرة الوراثية لوضع خريطة كاملة للسلاسل المتعاقبة من الأحماض الأمينية للكروموزومات الجنسية والبدنية في الإنسان، وهو مشروع هائل يتمثل في دراسة 22 زوجاً من الكروموزومات البدنية بالإضافة إلى كروموزوم الأنوثة X وكروموزوم الذكورة Y مع أن كل منهما بتركيباته الدقيقة مشروع ضخم بحد ذاته .



وعلى سبيل المثال يأمل علماء الأحافير القديمة بالتعاون مع علماء الأحياء والكيمياء العضوية تتبع التغييرات التي حدثت للأحماض النووية وتعقب النزوع الثابت لتغير توجيهاتها لكشف أصول الأحياء وسر تنوعها، وتفيد الاستطلاعات الأولية أنه إذا كان تاريخ تمايز الكروموزومات الجنسية مثيرا فإن الآلية الصارمة في عملهما الهادف إلى تحديد الجنس والتوازن المدهش بينهما والاختيار الأمثل للأوليات لا يقل روعة وإثارة، وكأنك لا تتعامل مع مجموعة من الجزيئات العديمة الفهم وإنما مع كائنات واعية بمحيطها وفي غاية الذكاء، وهذه المعرفة الدفينة المنبثة على كافة المستويات تجعل التعاريف الشائعة للحياة والموت مجرد اصطلاحات.

وبالإضافة إلى الكروموزومات البدنية تتكون كل خلية في الذكور من كروموزوم للذكورة وآخر للأنوثة بينما في الإناث يوجد كروموزومين للأنوثة، وتحتوي الخلايا الجنسية التي تنتجها الخصية أو المبيض على نصف العدد من الكروموسومات، ولذا يتحتم على كل مبيض أن ينتج خلية جنسية مؤنثة كل شهرين لا تحتوي إلا على كروموسوم تأنيث بينما تنتج الخصية بلا انقطاع عدد هائل من المنويات نصفها يحتوي على كروموزوم تأنيث والنصف الآخر كروموزوم تذكير، وتتسابق المنويات نحو البويضة وتعلو في المجاري التناسلية ليفوز منها واحدا يقوم بالتلقيح، فإذا سبق منوي التذكير كانت الحصيلة جنين ذكر وإذا سبق منوي التأنيث كان أنثى بينما لا تسابق البويضة الخالية من أعضاء الحركة أحد، ومهمة كروموزوم الذكورة إظهار صفات الذكورة وفي انعدامه تظهر صفات التأنيث، ولذا قد كانت النظرة لكروموزوم الأنوثة أنه في غاية السلبية حيث لا يبدو له أي دور يذكر خاصة في حضرة شريكه الواضح التأثير، ولكن قد تبين أن حشوده المنظمة من الجينات تقوم بدور فعال في حفظ الخصوبة بل وربما للبقاء على الحياة ذاتها حتى في الذكور.

وهذا النظام المتقن الواعي في توزيع المهام حتى على مستوى الجينات يقف صخرة عثرة في وجه الجاهلين بنظام التنويع النقلات في توريث الصفات وستبقى التبريرات كالصدفة والطفرات مجرد أسماء بلا مسميات.

إن العالم في نظر العلماء لم يعد هو ذاك العالم الساكن Static الذي تتكرر الأحداث فيه نفسها دوماً، وإنما هناك نظام متغير غير منظم شامل لكنه بطئ لا يكاد يلحظ يجعل العالم كله حركيا Dynamic في طبيعته، اليوم حاليا 24 ساعة لكنه كان في غاية القصر في بدايته، والقمر يدور كعادته ولكنه لا يعود لنفس موضعه وببطئ يتراجع مبتعدا عن الأرض، والأحياء لم تفلت من هذا القانون الصارم وإلا كيف نشأت على الأرض ؟، والجين هو الأداة الفعالة المذهلة التي تقوم بإدارة جملة من الوظائف الحيوية دفعة واحدة منها ضبط التغير.



وقد كان الافتراض أن كروموزوم الذكورة قد نشأ بالصدفة نتيجة طفرة قد وقعت لأحد الكروموزومات البدنية فنشأت أجيال من الذكور محافظة على التغير، ولكن أية أجيال ستنشأ من ذكور بلا إناث ؟، وأي مصادفة عجيبة أن تتزامن نشأة الذكور مع الإناث وتوجه فجأة جميع العمليات الحيوية ورغبات الأفراد نحو الإنجاب ؟، وإن أردت الحقيقة فهي أن آليات تغير الأنسال وتبدل أحوال الكروموزومات لم تتضح بعد بشكل كافي للعيان، والذين يتصدون لعرض مبدأ التغير المنظم للأجيال قد ينجرفون خلف الفرضيات دون الاكتفاء بالحقائق المجردة.

وتتطلع الدراسات الجينية اليوم إلى معرفة الأسباب الوراثية للأمراض البشرية ومحاولة علاجها جذريا، بل إن الواقع أن أغلب الدراسات لكروموزوم الذكورة قد انطلقت أساسا بغرض علاج حالات العقم في الذكور، وقد استطاع علماء الوراثة عام 1990 أن يحددوا بدقة القطعة من كروموزوم الذكورة التي تمنحنا خصائص الجنس وسموها منطقة تحديد الجنس على كروموزوم الذكورة ( SRY ) determining Ysex Region، فلم تكن أكثر من جين مفرد ضئيل ولكنه يمثل الزناد الذي يفجر عمليات تكوين الخصية، ولا يأخذ قرارا فرديا عشوائيا وإنما الواضح أ،ه ينبه جملة الجينات على بقية الكروموزومات إلى وجوده فتنشط لانتاج البروتين، والخصية مصنع لانتاج هورمونات الذكورة كالتستوستيرون والتي وظيفتها الرئيسية إظهار سمات الذكرة، واستنتج العلماء أن زواج الكروموزومات يتسم بالتفاهم والانسجام أيا كانت طريقة نشأتهما، وإن كانت وحدة الأصول رغم التنويع الهائل هي شعور أغلب العلماء خاصة لوجود نهايات متماثلة للكروموزومات الجنسية كأثر باقي يوحي بأن نشأتهما آنية من نفس واحدة أو على الأقل زوج نظير هو الجد الأعلى، وهناك دليل آخر يعضد هذا الشعور وهو وجود تماثل في الجزء غير المتماثل من الكروموزومين ما زال باقيا إلى اليوم.

وعلى أية حال لم تحد الدراسة طيلة الخمس سنوات الماضية عن هذا الاتجاه وأمكن معالجة بعض الثغرات، وعلى سبيل المثال أثبت علماء الوراثة بجامعة كامبردج عام 1999 وجود المزيد من وجوه التماثل بينهما، ولك أن تتصور فقدان كروموزوم الذكورة Y لطرف من الأطراف الأربعة لكروموزوم الأنوثة X وتلاشي جيناته، فقد يساعدك هذا التصور على التذكر أنه ضئيل وضعيف البنية وهزيل مقارنة بكروموزوم الأنوثة، ويحاول العلماء تتبع التغييرات الجينية واستنتاج تقدير تقريبي لمعدل حدوثها بناء على معرفة معدل التغيرات في الحامض النووي للأحياء، وكأن هناك ساعة بيولوجية تحسب وتوجه بدقة التغيرات التي يجب حدوثها، وبالمقارنة بدراسة الأحافير يمكن تأكيد وقوع أحداث وراثية حدثت منذ ملايين السنين كبداية عصر الثدييات.

إن كروموزوم الذكورة مهما كان أصلة صرح هائل شكلته لبناته الجينية بما يجعله يؤدي دوره بكفاءة وهكذا أيضا شريكه الأنثوي بل إن الحكمة تدثر كل شيء ولا يكفي لمعاينتها القول "هكذا هي طبيعة الأشياء"، وعلى مستوى الجينات نعاين "البرمجة المنظمة" لمشروع الكائن ويستوي الإبداع سواء كان بعوضة أو فيل، وباكتشاف المزيد من المواقع الجينية على الكروموزومات الجنسية نتيجة للبحث الدءوب والجهود المتصلة لم يستطع حتى العلماء المفعمين ذهنيا بمبدأ التطور بناءً على المصادفة المحضة أن يخفوا دهشتهم ويكابروا، لأن زواج الكروموسومات الجنسية المتسم بالوعي لغرض الإنجاب وبقاء اتصال الذرية مع الحفاظ على تغير الأنسال بالتدريج والتعاون المبرمج الخطوات بين كل الجينات يجعل الصدفة مجرد وهم وتهرب سافر مشين، ولو سلمنا بالتطور الهادف لإيجاد الإنسان على رأس تشكيلة الأحياء فتاريخه المحدود يرفض الصدفة ابتداء، أمامنا نظام مذهل تقوده إرادة نافذة توجهه بوعي نحو تنويع هائل بتخطيط موحد كي نطالعه نحن من قمته.