الأخفى والسلوك
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



الأخفى والسلوك

د. ميسرة طاهر


هناك جملة من الحقائق التي تعتبر مدخلاً مهماً لهذا الموضوع:

1 ـ أول هذه الحقائق أن هناك تغييراً كبيراً يصيب الحياة اليومية ويؤثر في سلوكنا اليومي سواء علمنا بذلك أم لم نعلم.

2 ـ إن الإنسان به من التعقيد ما لا يخطر بالبال وربما كانت التعقيد الكبيرة التي يتمتع بها الإنسان واحدة من المظاهر التي تكمن وراء جعل آيات الله تباركت أسماؤه موزعة بين الكون الفسيح بكل ما يحويه وبين النفس البشرية، ويبدو ذلك في قوله تعالى: (
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق
). وكأن الآية تقول: (
يا عبادي سأريكم روائع خلقي وإبداعي في الآفاق وفي أنفسكم حتى يتبين لكم وتتأكدوا أن هذا القرآن حق
).
ولكن ما هي الآفاق؟

إنها هذا الكون الفسيح بنجومه ومجراته وأفلاكه، هذا الكون الذي يصعب على العقل البشري أن يتصور سعته، وليس من الحكمة أن ندخل في متاهات الحسابات الفلكية ولكن لنقف لحظات عن هذه الآفاق لنعرف فقط حجم اتساعها.

إن المسافة بين كل نجم وآخر تقاس بما يسمى السنة الضوئية، والسنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة.

فإذا علمنا أن الضوء يقطع في الثانية الواحدة 300.000 كم فإننا ببساطة نستطيع أن نعرف المسافة التي يقطعها في دقيقة وذلك بضرب الرقم السابق في 60 فتصبح المسافة 18 مليون كم، وفي ساعة يقطع الضوء مسافة 10 مليار وثمانين مليون كيلو متر، وفي اليوم الواحد يصبح الرقم 25920.000.000 خمس وعشرون مليار وتسع مائة وعشرون مليون كم، وفي سنة يصبح الرقم 9.332.200.000.000 .

فإذا عرفنا أن هناك نجوماً تزيد المسافة بينها عن ملايين السنين الضوئية عندها فقط نعجز عن قراءة الرقم لكبره ونستطيع أن نتصور ولو جزئياً اتساع هذا الكون.

ومع ذلك فإن نصف آيات الله في هذا الكون الفسيح والنصف الثاني في أنفسنا نحن البشر، فالله تباركت أسماؤه يرينا آياته في كونه الفسيح وفي أنفسنا حتى يتبين لنا أن آيات الله في القرآن ربما يمر من خلال فهم الإنسان ومن خلال فهم الكون وإذا عرفنا حقائق أكثر نستطيع أن نفهم القرآن أكثر.

3 ـ إن معرفتنا بالنفس البشرية ينبغي أن نستمدها من مجالين أثنين الأول هو نتائج البحث العلمي الذي استخدم العقل والتجربة، والمجال الثاني هو النصوص الشرعية، ذلك أنني أومن أن من يريد أن يصل إلى نتائج أكيدة عليه أن لا يغفل أيا من هذين المصدرين لاعتبارات كثيرة أولها أن النفس البشرية هي من صنع الله تباركت أسماؤه وهو أدرى بما يصلحها، والثاني أن العقل هو أساس التحليل ورؤية السنن النفسية والكونية ولا يمكن أن يكون هناك تعارض بين نص ونتيجة بحث على الإطلاق.

صحيح أن القرآن ليس كتاب علم نفس ولا كتاب علم اجتماع ولا كتاب لغة ولا تاريخ ولكنه كتاب وضع إطاراً عاماً لكل هذه العلوم وتتطرق لتفصيلات محدودة وبخاصة فيما يتعلق بالنفس البشرية، وجاء النبي الكريم ليفصل في بعض هذه القضايا، ونحن اليوم ينبغي أن نسير وفق قاعدة ربانية حددتها الآية الكريمة: (
قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق
).

وإذا كان الأمر بالتوحيد جاء ليشمل النص على فعل أمر واحد (
قل هو الله أحد
)، فإن الأمر بالسير في الأرض للنظر في كيفية الخلق جاء بثلاثة أفعال أمر هي: قل، سيروا، فانظروا...

ولم يكن في قوله الله ـ تباركت أسماؤه ـ تحديد للخلق وإنما تركت الكلمة لتشمل كل أشكال الخلق من نبات وحيوان وبشر ومجرات وكواكب ومياه وصخور، وكذلك لتشمل كل ما له علاقة بالنفس البشرية فاللغة من المخلوقات التي تحتاج أن نبحث كيفية خلقها وتطورها سواء عند شعب ما أو عند الفرد الإنساني، ويشمل الخلق السلوك والذكاء والعواطف والانفعالات والمواهب والتذكر والنسيان والتواصل والتأثير والتأثر والسواء النفسي والاضطراب والمرض النفسي والغيرة والبخل والكرم والحياة والموت.

نعم نحن بحاجة لمعرفة كيف يموت الموت ذلك أن الموت له مهمة في الحياة الدنيا فقط ولكنه في الآخرة ليس له وجود لأن الموت سيموت وغلا كيف يمكن أن يتحقق الخلود للمؤمنين في الجنة وللكافرين في النار؟

والسير في الأرض ليس ترفاً ولكنه تحقيق لأمر الله سبحانه وتعالى وليتمكن الإنسان من تسخير هذا الكون وتحقيق أمر الله في جعل الكون مسخراً له: (
وسخر لكم ما في السماوات والأرض
).

ولتحقيق التسخير قلنا إنه لا بد من تضافر العمل وفق مصدرين اثنين هما النصوص الشرعية والكون والأنفس البشرية.

4 ـ أم الحقيقة الرابعة فتكمن في أننا جميعاً بلا استثناء يصدر ما يقرب من 60% من سلوكنا اليومي ونحن لا نعي الدوافع الحقيقية لهذا السلوك.

وربما يحتاج الأمر إلى إيضاح لذا سألقي الضوء على الأبجدية أو اللغة الأساسية لفهم ذلك.

فالله ـ عز وجل ـ يقول في محكم كتابه في سورة الفرقان:

(
قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفوراً رحيما
).

وقد ورد في سورة الأنعام قوله ـ عز وجل ـ:

(
وهو الله في السماوات والأرض وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون
).

وفي سورة الزخرف يقول ـ عز من قائل:

(
يحسبون أن لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون
)

وفي سورة التوبة قوله ـ عز وجل ـ:

(
ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب
).

لذا دعونا نسأل أنفسنا كم مرة مررنا على قول الله تعالى:

(
وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى
) وهذه الآية الأخيرة تشير بوضوح إلى أن علم الله فيها يتناول قضية تخص الإنسان بالدرجة الأولى فهو تبارك وتعالى يشير إلى ثلاثة اصطلاحات:

1 ـ الجهر من القول.

2 ـ السر.

3 ـ الأخفى.

ونستطيع أن نقول إن سلوك الإنسان لا يعدو أن يكون واحداً من ثلاثة:

1 ـ فإما أن يكون حديثي عن شيء أنا أعرفه والناس تعرفه والله يعرفه والله يعرفه وهو العلن أي الشيء المعلن أو الجهر كما ورد في الآية.

2 ـ أو أن يكون سراً لا يعرفه الناس ولكن أنا أعرفه والله أيضاً يعرفه، هذا السر مخفي عن الجميع ولكنه ليس مخفياً عن الله ـ عز وجل ـ فهو يعلم السر، سر كل واحد منا.

3 ـ ويبقى النوع الثالث الذي تشير إليه الآية وهو الأخفى؟

فإذا كان الجهر المعلن يعرفه الناس وأنا أعرفه والله يعرفه.

والسر ما أعرفه وأنا ولا يعرفه الناس ولكن الله يعرفه.

فالأخفى إذن لا يعرفه الناس ولا أعرفه أنا وأنا صاحبه ولكن الله يعرفه.

والملفت للنظر أن هذا الاصطلاح موجود في كتاب الله الكريم منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، ونقرؤه جميعاً حين نقرأ سورة طه إلا أنه مصطلح لم نقف عنده بهذه الصورة ربما لأننا لم نملك الأبجدية المطلوبة.

وفي هذا يقول القرطبي عن بن عباس: (
أن السر ما أسر ابن آدم في نفسه وأخفى ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله
). ( القرطبي ج11، ص 170 ).

وقال مجاهد: ( وأخفى يعني الوسوسة ). ( ابن كثير ج3 ، ص 144 ).

وقال البغوي عن بن أبي طلحة عن بن عباس: (
السر ما أسر ابن آدم في نفسه والخفي ما خفي عليه مما هو فاعله قبل أن يعلمه
).

وقال مجاهد: ( السر العمل الذي تسره من الناس وأخفى الوسوسة، وقيل السر هو العزيمة وأخفى ما يخطر على القلب ولم يعزم عليه ). ( البغوي، ج3، ص 212 )

وقال الشوكاني: ( وقيل السر ما أسر الإنسان في نفسه والأخفى منه هو ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله وهو لا يعلمه ) ( فتح القدير، ج3، ص 375 ).

لقد انتبه أحد علماء النفس في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين أي منذ حوالي مائة سنة تقريباً واعتبر ذلك كشفاً علمياً كبيراً وقد طلق عليه اسم اللاشعور أو العقل الباطن أو الهو وكلها مصطلحات تعني أمراً واحداً، ولعل الأفضل أن نسمي الأشياء بأسمائها وباصطلاحات قرآنية إن وجدت وسنتعامل مع هذا الجانب من حياتنا النفسية باعتباره الأخفى، كما سنسمي الأفعال التي تصدر عنه باسم الأفعال اللاشعورية.

والسؤال لماذا الحديث عن هذه الحقيقة التي يدعمها القرآن الكريم؟

والجواب أن 60% من سلوكنا اليومي ومن أفعالنا وأقوالنا مصدرها الأخفى. بمعنى أنني لا أعرف السبب الحقيقي لحالي 60% من سلوكي اليومي، ولكنني إذا سئلت لماذا فعلت أمراً ما فسيكون عندي مبرر عقلي أستطيع أن أقدمه، بمعنى أنني أستطيع أن أقدم المبرر أو السبب العقلاني الذي يقنع الآخرين، إلا أن السبب الحقيقي لذلك السلوك يبقى كامنا في أعماقي أي في الأخفى، في المكان الذي لا أعرفه.

ولكن ماذا يحوي الأخفى؟


الأخفى هو النظام العصبي الذي يشمل الآتي:

1 ـ المهارات والمكتسبات المتعلمة، والتي تم تعلمها في الوعي ثم انتقلت إلى الأخفى بعد أن تم إتقانها وصارت عادة سواء منها ما يتعلق بعادات الطعام والشراب والجلوس والمشي والكتابة والقراءة والتكفير.. إلخ أو غيرها..

2 ـ البرامج المتعلقة بإدارة أجهزة الجسم ( الذي يحكم التنفس وضربات القلب والغدد العرقية وإفراز الغدد الصماء... إلخ ).
3 ـ جميع الذكريات الحسنة والسيئة.

4 ـ القيم والمعتقدات والاتجاهات.

ومن المهم التأكيد على أن المنفذ الوحيد لهذا كله هو العقل الواعي، فليس للأخفى طريق على العالم الخارجي غلا عبر الوعي، ومن هنا كان من المهم أن لا ندخل إلى وعينا إلا الصواب لأن كل الأفكار غيرا لصائبة التي يقبلها العقل الواعي سوف تدخل إلى الأخفى لتستقر فيه، فإذا رأى أحدنا أو سمع أو حس بشيء منكر فمن الحكمة أن يغيره فإن لم يستطع تغييره بيده أو بلسانه فمن الحكمة أن يغيره فإن لم يستطيع تغيير بيده أو بلسانه فمن الحكمة أن ينكره بقلبه حتى لا يستسيغه عقله الواعي ومن ثم يقبله الأخفى باعتباره أمراً مستساغاً لا سيما وان الأخفى لا يناقش المعلومات التي ترده من العقل الواعي والدليل على ذلك أن فعل المنكر ينكت في الأخفى نكتة سوداء.

وإذا تكرر فعل المنكر تكررت النكتة السوداء في هذا الأخفى حتى يسود فلا يحلل حلالاً ولا يحرم حراماً ذلك أن الأخفى كما قلنا لا يميز ما يرده من العقل الواعي.

وقد يجد القارئ نفسه مضطراً لطرح سؤال مهم هو: ما أدلة وجود هذا الأخفى في الحياة اليومية؟

الأدلة على وجود الأخفى


هناك العديد من الأدلة أهمها الآتي:

1 ـ المخاوف الشاذة:

فكثيراً ما نرى كباراً وصغاراً يخافون مما لا ينبغي الخوف منه كالظلام، والأماكن المرتفعة، والأماكن المغلقة، والقطط، والفئران، والصراصير، وبعض الحيوانات الأليفة والمقابر.... إلخ.

إن مثل هذه المخاوف لا يمكن أن نجد لها تفسيراً على مستوى العقل الواعي وإذا فسر أحدهم خوفه من الظلام فإن التفسير يحتاج إلى تفسير وغالباً ما يقول: لا أعرف ولكني أتضايق كثيراً حين أكون في الضلام...

2 ـ فلتات اللسان:

وهي الكلمات التي نتفوه بها دون إرادة منا كقول أحدهم وهو يتحدث للطرف الآخر الذي يزمع عقد صفقة معه: إن لقائنا انحس مناسبة لعقد الصفقة وهو يقصد القول ( أحسن )، وكقول آخر لشخص: أشكر الله على ما أنت فيه من نقمة وهو يريد أن يقول: ( نعمة ).

وعند اكتشاف الفرد لمثل هذه الفلتات فغالباً ما يعتذر عنها ويقول لم يكن قصدي أن أقول هذا، غذن من الذي دفعه لقول مثل ذلك؟ لا شك أنه الأخفى الذي أراد أن يعبر عما يخزنه من رغبات مكبوتة وجدت عند ارتخاء الوعي فرصة للخروج إلى السطح.

3 ـ النسيان:

نحن جميعاً ننسى ولكن لماذا ننسى؟ وهل ننسى كل شيء؟ والجواب يتطلب حديثاً طويلاً عن النسيان، إلا أننا سنكتفي بالقول إن للنسيان أسباب كثيرة منها التعب، ومنها غير التعب فنحن ننسى أحياناً ونحن في قمة راحتنا، ألم ينسى بعضنا موعداً مع طبيب الأسنان ونحن في أمس الحاجة للذهاب إليه؟ ترى لماذا؟ لا شك أن النسيان في مثل هذه المواقف وما شابهها هو نسيان لما نكره أو لما نشعر أننا سوف نتألم بسببه أو لأننا قد نقلق ونتضايق إذا نحن تذكرنا ما نسيناه.

نعم إن الأخفى ينسينا ذلك وفق منطق يحكمه وهو حرصه على دفع الألم عنا وجلب الراحة والمتعة ولكن بطريقته الخاصة وهي طريقة تشبه إلى حد بعيد منطق الأطفال في مواجهة المتاعب.

4 ـ إضاعة الأشياء:

إن فقدان الأشياء أمر يتعرض له كل الناس ولكن هل نفقد هذه الأشياء التي ربما كانت ثمينة فقط لأننا تعبون؟ أم أننا قد نفقدها أحياناً مع تمتعنا بأعلى درجات الراحة؟ إذا حدث ذلك فمن المسئول عن هذا الفقدان هل هو العقل الواعي أم الأخفى؟ أم ينسى أحدنا يوماً المكان الذي أوقف فيه سيارته؟ وهل كان ضياع مكان إيقافها لأنها سيارة رائعة أم لأنها كانت سيارة متعبة كثرت أعطالها؟ يغلب على الظن أننا نضيع مكان السيارة حين تصبح متعبة ومصدر إزعاج، عندها يريد الأخفى أن يريحنا ولكن مرة أخرى على طريقته الخاصة.

5 ـ تحطيم الأثاث:

بنفس المنطق إننا نحطم ما لا نريد أو ما لا يعجبنا وقد يتكون عدم إعجابنا بقطعة أثاث لأن من نحب أعرب عن عدم ارتياحه لوجودها، أو لأنها صارت بالية، أو لأن غسيلها يجلب التعب لنا...

6 ـ الأفعال العرضية:

كأن نضع مفتاح السيارة في قفل البيت بدل وضعه في قفل السيارة ولو عدنا لمناقشة الأخفى لوجدنا أن لدينا رغبة في تلك اللحظة أن نبقى في البيت بدل الخروج، أو نضع مفتاح المكتب في قفل البيت....

7 ـ ألعاب الأطفال:

من يراقب ألعاب يتأكد أنهم يخرجون من أخفاهم كل ما يضايقهم ليصبونه على ألعابهم سواء بالحركات أو الكلمات.

8 ـ أحلام النوم:

إن أحلام النوم يغلب أن تكون تعبيراً عن رغبات مكبوتة أو أماني لم تتحقق أو ربما مخاوف يخزنها الأخفى فتخرج بصورة رمزية في كثير من الأحيان.

ويستطيع الأخفى أن يدرك من الآلام ما لا يدركه الوعي ذلك أنه قادر على التعامل مع عتبة الحس المنخفضة فتتجمع مثل هذه الأحاسيس وتتشكل أحياناً على هيئة أحلام بتوقع المرض وفي بعض الأحيان يصدق ما أحس به الأخفى ويظهر المرض.

من هو العقل الواعي ومن هو الأخفى؟


يمكن تشبيه العقل الواعي بربان السفينة في حين أن الأخفى أشبه ما يكون بعمال المحركات الذين يقبعون في الجزء المخفي من السفينة، فهم لا يتدخلون في توجيه السفينة ولكنهم ينفذون الأوامر التي تصدر لهم من ربانها، هم لا يناقشون الربان ولكنهم يساعدونه على تحويل أوامره إلى إجراءات.

كيف يعمل الأخفى؟


1 ـ يعمل الأخفى وفق قانون الاعتقاد، بمعنى أنه يقبل كل ما يرد له من أفكار من العقل الواعي دون أن يناقشه فيها فهي عنده مصدقة وكل فكرة نعتقد بصحتها حتى لو كانت خرافة فإن الأخفى يقبلها باعتبارها معتقد مصدق، ولعل التاريخ الإنساني مليء بأمم كانت تعبد الحجارة وتعتقد أنها تنفعها وتضرها وكان الأخفى عند هؤلاء الناس يصدق ذلك، بل إن أناساً كثيرين اعتقدوا أنهم مصلحون وكان سلوكهم يدل على أنهم مفسدون: (
وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون
).
2 ـ عمله هو السلوك الصادر عنا وهذا السلوك هو استجابة الأخفى للأفكار التي تعطى له من العقل الواعي مما يعني أن تعديل السلوك يتطلب تعديل الأفكار التي يعطيها وعيناً للأخفى لذا كان التغيير الخارجي وهو سلوك أفراد الأمة مرتبط بالأفكار التي يحملها الأخفى عند كل منهم وهذا مصداق قوله ـ عز وجل ـ: (
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
).

ولهذا السبب لا ينبغي أن نسمح لعقولنا الواعية أن تقبل الأفكار الخاطئة لأن قبول العقل الواعي للفكرة الخاطئة يعني شيئاً واحداً وهو قبول الأخفى لها ورد الأخفى على ذلك هو إصدار السلوك المناسب لتلك الفكرة ولنقرأ معاً هذه الأحاديث مجتمعة:

حدثنا يزيد بن هارون أبو مالك عن ربعي بن حراش عن حذيفة أنه قدم من عند عمر قال: لما جلسنا إليه أمس سأل أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أيكم سمع قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الفتن ؟ فقالوا: نحن سمعناه، قال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وماله ، قالوا: أجل . قال: لست عن تلك أسأل ، تلك يكفرها الصلاة والصيام والصدقة ، ولكن أيكم سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتن التي تموج موج البحر؟ قال: فأمسك القوم ، وظننت أنه إياي يريد ، قلت: أنا، قال لي: أنت لله أبوك ، قال: قلت: تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير ، فأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء ، وأي قلب اُشْرِبها نكتت فيه نكتة سوداء ، حتى يصير القلب على قلبين ، أبيض مثل الصفا لا يضره فتنة ما دامت السماوات والأرض ، والآخر أسود مربد كالكوز مخجياً، ( وأمال كفه ) لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما اُشْرِبَ من هواه ( مسند أحمد، الحديث رقم 22193 ).

نعم حين تسيطر الأفكار السالبة على العقل الواعي فإن السلوك الذي يصدر عن الأخفى هو سلوك مناسب لها حين لا يجد في جعبته ما يميز فيه بين حلال وحرام. ولعلنا نستطيع أن نفهم الفرق بين من يفعل المعاصي وهو يؤمن بأنها معصية وبين من يفعلها وهو مؤمن ومعتقد بأنها ليست معصية، فالأول عاص يستطيع العودة إلى الجادة بسهولة أكبر ممن صار قلبة كالكوز مخجياً، إنه هو ذاته الذي يسيطر الزين أو الصدأ على قلبه كما ورد في الآية: (
بل ران على قلوبهم
).

وكما يؤكده الحديث التالي: عن أبي هريرة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة صوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت، فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه: (
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
) ( ابن ماجة، الحديث رقم 4234 ).

وفي حديث آخر: حدثني مالك أنهم بلغهم أن عبدالله بن مسعود كان يقول: عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار، ألا ترى أنه يقال: صدق وبر، وكذب وفجر؟ وحدثني مالك أنهم بلغهم أنه قيل للقمان: ما بلغ بك مانرى؟ يريدون الفضل، فقال لقمان: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني، وحدثني مالك أنهم بلغهم أن عبدالله بن مسعود كان يقول: لا يزال العبد يكذب وتنكت في قلبه نكته سوداء، حتى يسود قلبه كله فيكتب عند الله من الكاذبين. ( موطأ مالك ).

وفي الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكته سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها، حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: (
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
) قال: هذا حديث حسن صحيح ( الترمذي، الحديث رقم 3257 ).

4 ـ الأخفى سريع الاستجابة للعقل الواعي وما يودعه فيه من أفكار وبخاصة لدى الصغار والمراهقين من الناس وقليلي الخبرة والفهم من الكبار.

5 ـ الأخفى لا يتعامل مع الأفكار التي تصل إليه من العقل الواعي بعقلانية ولا يحاكمها لأن مكان محاكمتها هو العقل الواعي فإذا مرت منه وهي خاطئة ولم يكتشف العقل الواعي خطأها فلا نظنن أن الأخفى قادر على كشفها فهو يصدقها حتى لو كانت خرافة.

ربما مر البعض منا على هذه الآيات والأحاديث مئات إن لم يكن آلاف المرات، هل خطر ببالنا أن يكون الأخفى كما وصفناه، وما الذي جعلنا الآن نفهم الأخفى بهذه الصورة؟

ببساطة إن توفر قدر معقول من الفهم للنفس البشرية يمكن الإنسان من قراءة النصوص المتعلقة بها بصورة أخرى تماماً كما يستطيع عالم الفلك أن يقرأ الآيات المتعلقة بالفلك بطريقة أفضل مني وذلك لتوفر معرفة فلكية لديه.

مقارنة بين العقل الواعي والأخفى:

الأخفى

العقل الواعي

كبير جداً

عدد الأفكار= 7 + 2

متزامن

متعاقب

حدسي، ترابطي

منطقي

سيبرانتي

خطي

يعرف لماذا

يسأل لماذا

يشعر

يفكر

ينام ويحلم

يستيقظ ويوقظ

يسيطر على الحركات غير الإرادية

يسيطر على الحركات الإرادية

مخزن كل المعلومات

منتبه للآن

يعرف الحلول

يحاول فهم المشكلات

يحقق الحصيلة

يحدد الحصيلة

تلقائي

متأني

يعبر بالجسم والنبرة

يعبر بالكلمات

تركيبي

تحليلي

ينتبه ويحفظ المعلومات

ينتبه للمعلومات

غير محدود

محدود التركيز

تعلمه بالخبرة

تعلمه معرفه




إذن النفس البشرية لو لم يكن بها القدر من التعقيد لما استحقت أن يكمن بها نصف آيات الله، ولكن لا يعني هذا أن هذا التعقيد يستعصي على الفهم، لسبب وجيه جداً وهو أن هذه النفس تحكمها قوانين وسنن بلغة القرآن ومن عرف هذه السنن سهل عليه التعامل معها.

وعدم معرفة هذه السنن هي السبب الكامن من وراء الخلاف الذي حصل بين موسى ـ عليه السلام ـ وبين العبد الصالح الذي أدرك ومنذ البدء أن موسى ـ عليه السلام ـ لن يستطيع الصبر على أمر لا يعرف كنهه وهذا أمر أثبت العلم الحديث اليوم طبيعته من خلال التأكيد على أن الإنسان يزداد قلقه كلما كانت مساحة الغموض كبيرة وهذا ما عبر عنه العبد الصالح حين قال لموسى:

فكأنه يريد أن يقول لموسى: إن من يعرف أكثر يصبر أكثر، ومن يحط بالأمر يصبر أكثر، ومن يفهم أكثر بأمر ما يصبر أكثر وبالمقابل فإن مساحة الصبر تتراجع وتضيق كلما قل العلم والخبرة وبالقضية موضوع البحث.

مخاطر يمكن تجنبها أثناء التعامل مع الأخفى:


لا تخاطب الأخفى بعبارات سلبية من قبيل:

1 ـ أنا لا أحب.

2 ـ أنا لا أستطيع.

3 ـ أنا لا أقدر.

4 ـ ستكون الأمر أسوأ.

5 ـ لا بد من وقوع الكارثة.

إن كل هذه العبارات منهي عنها ومطلوب من المؤمن أن يتفاءل بالخير كما قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ

حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبدالله بن عتبه أن أبا هريرة: قال سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: لا طيرة وخيرها الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم ( صحيح البخاري، الحديث رقم 5313 ).

ونستطيع أن نفهم الآن قوله ـ تباركت أسماؤه ـ:

أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني، فإن في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملاٍ خير منهم، وإن تقرب إلى بشبر تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هروله ( البخاري، الحديث رقم 6856 ).

ذلك أن الظن الحسن بالله يجمع الطاقة ويقلل الانفعال ويعين العقل الواعي على التفكير الحسن ويخرج من الأخفى أكبر طاقة ممكنة مما يجعل العبد أقدر على الوصول إلى الحلول الصحيحة.

ماذا نفعل؟


لا بد من تطوير معرفتنا عن الأخفى من خلال الوسائل التالية:

زيادة مساحة فهمنا سواء بالقراءة، أو بحضور الدورات التي يعقدها المختصون أو باستشارتهم عند الحاجة، ذلك أن المختصين هم أكثر الناس معرفة بطرق الأخفى وما يمكن أن يترتب على بعض مخزوناته من أمراض جسمية المظهر نفسية المنشأ.

إن اللجوء إلى المراكز النفسية للاستعانة بآراء المختصين يوفر على أصحاب المشكلات الكثير من الآلام كما يعينهم على توظيف الطاقات الهائلة الموجودة في الأخفى لديهم لتطوير أنفسهم وعلاج مشكلاتهم.