الإعجاز القرآني والنبوي في العلوم الإنسانية والاجتماعية (الاقتصاد نموذجاً)
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



مصطفى صلاح محمود الشيمي
لنيل درجة الماجستير في الاقتصاد الإسلامي



مقــــدمة

تعريف بموضوع البحث:
الحمد لله القائل ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: 88].
فالقرآن كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أعجز البشر في بلاغته وأسلوبه وتشريعه وإخباره عن المغيبات الماضية والمستقبلية وحقائقه التي أذعن لها العلماء قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: 6] وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 55] والصلاة والسلام علي من أرسله الله رحمة للعالمين بشيرا ونذيراً وجعل رسالته خاتمة لجميع الشرائع… أما بعد:
فإن الإعجاز القرآني في العلوم الإنسانية والاجتماعية، إنما هو في أصله وسيلة لغاية أعم وأسمى ألا وهي التوجيه القرآني والنبوي للإنجاز الإنساني، في الوجهة الإسلامية الصحيحة والسليمة؛ فإن الله تبارك وتعالى قد أنزل قرآنه المعجز، وأعطى لنبيه صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، وبدائع الحكم، واختصر له الكلام اختصارًا، لكي يؤمن الكافر، ويجذب إدراكه للانتباه لإعجاز القرآن والسنة. وأنزل الله تعالى كتابه كذلك لكي يزداد المؤمنون إيمانًا، ويقبلوا على أوامر الله عز وجل بعدما انصاعت قلوبهم وصدقت أفئدتهم بإعجاز الخالق تبارك وتعالى.
من هنا يمكن القول إن مدار بحثنا وغايته هو بيان الإعجاز القرآني في العلوم الإنسانية والاجتماعية، الذي أتى هاديًا للإنسان، وكاشفًا أبعادًا جديدة، آخذًا في الوقت ذاته بزمامها لخدمة البشرية، وصياغة رؤية أفضل لحياة الناس جامعًا في ذلك الهدي القرآني والعلوم الإنسانية والاجتماعية، مدللًا على الرابط الوثيق بين الدين والدنيا، اللذين يمكن اعتبارهما بمنزلة صنوان لا يفترقان ولا تستقيم الحياة بغير اجتماعها. ملتزمين في ذلك بإطار محدد حتى لا يتشعب بنا الحديث إلى مجالات رحيبة من مجالات الإعجاز القرآني، ونعني بذلك أننا سنتخذ من الإعجاز الاقتصادي نموذجا نفرده بالدراسة ويكون عليه محور حديثنا.
وجدير بالملاحظة والتأمل أن العلوم الإنسانية والاجتماعية – على عكس العلوم الطبيعية – إنما هي في غاياتها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالخصوصية الثقافية للمجتمعات والموروث الثقافي للحضارات، حيث تلعب تلك الخصوصية وهذا الموروث دورًا أكبر في تشكيل غايات العلوم الإنسانية والاجتماعية، وتفسير ظواهرها، وحتى انتقاء وتصميم طرق بحثها مقارنة بالعلوم الطبيعية؛ ومن هنا فإنه يحق لنا، في هذا السياق، التحدث عن ضرورة استثمار الركائز الفكرية القيمية التي تتأسس عليها حضارتنا الإسلامية المؤسسة على القرآن والسنة، والاستهداء بها في إعادة صياغة رؤية خاصة بنا للعلوم الإنسانية والاجتماعية تستند إليها ونستفيد منها، ولا غرو في ذلك؛ فالقرآن الكريم، والسنة النبوية أهم مقومات الحضارة الإسلامية.
كما أننا نعني بمصطلح الإعجاز الاقتصادي هو بيان دقة التشريع القرآني في توجيه الحركة الاقتصادية وتكاملها وشمولها لجميع مناحي الحياة الاقتصادية بما يكفل الإنسان بلوغ مرحلة الرفاهية الاقتصادية والعدالة التامة بين الأفراد وأن غير من التشريعات البشرية قاصر عن تحقيق هذا الغرض بل قد يؤدي كما هو مشاهد إلى كوارث اقتصادية عامة يكون المجتمع البشري خاصة الفقراء أفراداً وجماعات ضحيته الأولى.