أســماك ترصـد الـزلازل؟!
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



جمال بن فضل محمد الحوشبي

 

قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَمَن فِى الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ)الحج: 18، إنه ذلك المشهد المهيب الذي تقف فيه العوالم كلها علويها وسفليها ساجدة لله تعالى، خاضعة له، مسبحة بحمده، منقادة إليه سبحانه ويقف الإنسان، هذا المخلوق الضعيف شاذٌّا في ناموس الكون العظيم كيف لا يسجد العبد لربه وقد سبح لله الحجر والمدر والرمال، والدواب، والشجر، والليل والنهار، والظلمات والأنوار، والجنة والنار، والزمان والمكان، والعنصر والأركان، والأرواح والأجسام؟؟(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).

ولله في كل مخلوقاته دليل على وحدانيته وكمالاته سبحانه ومن ذلك التأمل في سلوك الحيوانات وغرائزها العجيبة التي تبعث على الدهشة والانبهار، وتوقظ العقل من غفلته ليتأمل قدرة الله ـ تعالى ـ في هذا العالم البديع ومما يبعث على الدهشة أن يجد الباحث انحرافًا خطيرًا في التفسيرات المادية لهذه الغرائز الباهرة التي أودعها الله تعالى في هذه المخلوقات المسبحة له، الساجدة بين يديه، إلا أن يكون تفسيرًا ملحدًا يغطي حقائق الوجود، ويأبى الخضوع لباعث الفطرة، وشاهد الكون العظيم.

وفي هذا المقال نتجوّل في سياحة إيمانية داخل هذا العالم البديع لنستخرج دلائل الوحدانية المشرقة في سلوك هذه الكائنات وغرائزها العجيبة.

في مساء السادس من أيار لعام 1976م وفي مدينة (فريولي) الإيطالية ارتفعت أصوات الحيوانات فجأة ودونما سبب ظاهر؛ الكلاب تنبح وتجري هنا وهناك، القطط مذعورة، الفئران تملأ الأزقة، الجياد والأبقار هائجة وعصبية، ويحاول أكثرها أن يسحب أربطته الطيور تسعى ضاربة بأجنحتها ومطلقة صرخات تبدي منها الفزع، وكأن شيئًا ما يستثير هذه الحيوانات ويدفعها لهذا التصرف العجيب لم يصدق سكان المنطقة ما رأوه بأعينهم، وصار ذلك محور حديثهم تلك الليلة وتمضي الساعات بطيئة، وما إن حلّت الساعة التاسعة من تلك الليلة حتى شعر السكان بالأرض تميد من تحت أقدامهم، وما هي إلا ثوان معدودات حتى ضرب زلزال عظيم المنطقة مخلّفًا وراءه ما يزيد على ألف قتيل من السكان !.

وحادثة أخرى مماثلة في (سان فرناندو) حيث اطّلع المحللون على تقرير سبق الكارثة هناك وفيه: (جيوش من الجرذان تملأ شوراع بلدة (سان فرناندو) ـ بالقرب من لوس أنجلوس الأمريكية ـ مع أن الناس كانوا يفترضون أنّ بلدتهم تخلو تمامًا من الجرذان وفي اليوم التالي تصيب هزة عنيفة وادي (سان فرناندو) وتؤدي إلى كارثة بيئية.

لقد أثارت هذه الحوادث وأمثالها اهتمام ودراسة عدد من العلماء، خاصة وأنها تتكرر بين فترة وأخرى، لقد أصبح الأمر جليٌّا واضحًا في حتمية وجود غرائز خفية للحيوانات تزوّدها بنوع استشعار لا يدركه البشر بحواسهم المحدودة وأجهزتهم المعقدة الحديثة.

من أولئك العلماء الذي اهتموا بهذه الظاهرة (هلموت تريبوش) الأستاذ بجامعة برلين الذي قام باستثارة الاهتمام بهذا الموضوع قديمًا ـ في عام 1976م ـ وأخذ يجمع ما تناثر هنا وهناك من أحداث مماثلة وقعت عبر التاريخ، وما سبق بعض الكوارث الزلزالية ـ أمثال زلزال (هيليس) اليونانية، وزلزال (لشبونة) المدمّر ـ من ردود فعل (غريزية) للحيوانات تشبه إلى حد كبير ما حدث قبيل كوارث معاصرة ومماثلة كزلزال مصر الأخير ـ 1992م ـ عندما اضطربت الحيوانات في حديقة الحيوان بالجيزة قبل عشرين دقيقة من الزلزال المدمّر، وما شابه تلك الحالات في (سان فرانسيسكو) وغيرها.

بعد ذلك بقليل ـ وبالتحديد في عام 1977م ـ عقد في الولايات المتحدة الأمريكية مؤتمر علمي اشترك فيه عدد من العلماء من مختلف التخصصات وأهمها علوم الأرض والحياة، لدراسة إمكانية استخدام الحشرات والحيوانات في التنبؤ عن قرب وقوع الزلازل! وقد تمّ رصد الحالات التي سجّلت أثناء المتابعة فلم يحدث أن سجلت حالة واحدة لم يصدق فيها إنذار تلك الحيوانات عبر تصرفها الملحوظ قبل الكارثة، وبالفعل أقيمت أول مستعمرة من نوعها في التاريخ تضم العديد من الحيوانات والحشرات، والهدف الذي أنشئت من أجله هو دراسة تصرف هذه الحيوانات وردود أفعالها كإشارات لكوارث قريبة قادمة !

لقد بات اليابانيون يدركون ـ بعد تعرّض اليابان للعديد من الهزات الأرضية ـ أن تصرف (سمك الزينة) يفوق في هذا المجال أكثر آلات الرصد دقة، فقبل وقوع الزلزال بساعات يصاب هذا النوع من الأسماك بحالات غريبة من اضطراب في السلوك وذعر، ثم تأخذ بالدوران والاندفاع داخل أحواضها اندفاعًا جنونيٌّا !!

وكلما قرأت عن هذه الحقائق العلمية الواضحة وغيرها أظل أتفكر مليٌّا فيما سطرته كتب سلفنا الصالح حول هذا الأمر أو رووه من أحاديث ومشاهدات، ومن ذلك ما ورد في صحيح البخاري ـ مثلاً ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ حين قالت: (دخلَتْ عليَّ عجوزان من عُجُز يهود المدينة، فقالتا لي: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم! فكذّبتهما ولم أنعم أن أصدقهما، فخرجتا، ودخل عليّ النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت: يا رسول الله، إن عجوزين....، وذكرت له الخبر، فقال: (صدقتا، إنهم يعذّبون عذابًا تسمعه البهائم كلها)، فما رأيته بعدُ في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر(1).

وكم قرأنا عن حوادث عجيبة تحكي جفول بعض الحيوانات عندما تجاوز بعض القبور التي يعذب أصحابها، تمامًا كما كان يشاهد من تصرفاتها قبل وقوع مثل هذه الكوارث البيئية.

وفي السياق ذاته تطالعنا حادثة نادرة من أعجب ما كتب في هذا الباب، وتحكى قصة اضطراب فرس عربي أصيل كان يملكه الصحابي الجليل أسيد بن الحضير ـ رضي الله عنه ـ حدث ذلك ذات ليلة صافية من ليالي المدينة النبوية ـ حرسها الله ـ لقد كان أسيد ـ رضي الله عنه ـ في تلك الليلة يقرأ القرآن خارج بيته ـ كعادته ـ بصوت ندي خاشع، وكان بقربه ابنه الصغير يحيى نائمًا، لكن العجيب في تلك الليلة بالذات أنه لاحظ تصرفًا عجيبًا للفرس، إذ كلما قرأ القرآن جالت فرسه وتحركت واضطربت، فإذا سكت سكنت، ثم إذا أعاد القراءة اضطربت أشد من الأولى، وهكذا حتى تكرر ذلك منه ومن الفرس ثلاث مرات، يقول ـ رضي الله عنه: فانصرفت عن القراءة مشفقًا على ابني يحيى أن تصيبه الفرس، فلما قرّبته مني رفعت رأسي إلى السماء فإذا أنا بمثل الظُّلَّة البيضاء فيها أمثال المصابيح عرجت إلى السماء حتى توارت عني، لقد اكتشف أن اقتراب تلك الظُّلة البيضاء بلا شك كان السبب في اضطراب الفرس وتحركها، فلما أخبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عما حدث له البارحة قال له ـ صلى الله عليه وسلم: (أو تـدري ما ذاك؟) قال: لا، قال: (تلك الملائكة دنت لصوتك) الحديث(2).

بل لقد صرّح ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث آخر أن لدى بعض الحيوانات مقدرة خارقة على رؤية ما لا يستطيع البشر رؤيته بحواسهم حيث قال ـ صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم أصوات الديكة فسلوا الله من فضله فإنها رأت مَلَكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوّذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا)(3).

إن هذه التصرفات ـ بلا شك ـ تنم عن وجود غرائز كامنة مركّبة في هذه الحيوانات، وهي التي تدفعها إلى استشعار ما قد يعجز البشر عن إدراكه بحواسهم الضعيفة، ولقد تباينت آراء العلماء المتخصصين عند دراسة أمثال هذه السلوكيات والغرائز التي تنم عن قدرات (خارقة)!! فهناك رأي مفاده أن هذا السلوك يعود إلى التقلبات في الحقول المغناطيسية، ووجود استجابة قوية عند بعض الحيوانات في هذا المجال، ولكن ثبت بالمشاهدة والمتابعة المستمرة عدم استقرار هذا العامل كمعيار ثابت يمكن أن تفسر به سلوكيات بعض الحيوانات في ظروف مماثلة، كما حدث ـ مثلاً ـ داخل عربات قطار في محطة للشحن بإيطاليا، كانت هذه العربات مصنوعة من صفائح فولاذية رقيقة يوجد بداخلها حيوانات محتجزة، ومع ذلك لم يؤثر ذلك على مقدرتها بالرغم من كون المكان محكمًا ومعزولاً ضد التقلبات المغناطيسية والموجات الكهربائية.

ويُرجِعُ البعض الآخر هذه الغريزة إلى قوة خارقة في حاسة السمع لدى هذه الحيوانات والحشرات، بحيث تسمع التحركات ـ التي تسبق الزلزال ـ في باطن الأرض، ويرجّح البعض نظرية الحساسية المفرطة لدى هذه الحيوانات لمعرفة التغيير الذي يحدث على الصخور قبل الزلزال.

بينما يفضل البعض ـ ببساطة ـ أن ينسب هذه التصرفات الذكية الخارقة إلى (الغريزة العمياء)!! كما ذكر بعضهم صراحة في مجلة عربية سيّارة أثناء حديثه عن هذه الغريزة الباهرة لدى الحيوانات؛ حيث قال: (الغريزة فعالية عمياء)؛ لأنها تقوم بعملها (دون أن يكون لفاعليتها أي غرض أو هدف)؟! وكثيرًا ما يعلّق ـ بعد سرد شواهد حية في الموضوع ـ بقوله: (لاشك بأن هذه الغرائز عمياء، وهي قوى توجّه سلوك هذه الحيوانات)! وهذا يتطلب من القارئ البصير وقفة متأملة ناقدة لدحض مثل هذا التفسير الذي يفضل صاحبه الهروب من الحقائق الثابتة بمثل هذا الكلام بدلاً من التأمل فيها، وإدراك سر عظيم من أسرار الوجود حوله تزيده إيمانًا وثباتًا، والدليل على ذلك أن هذه السلوكيات الغريزية وأمثالها غير قاصرة عند حد استشعار الزلازل ونحوها من الكوارث البيئية فحسب، بل تتجاوزها إلى سلوكيات أخرى فذة وغريبة لا تتصل البتة بالظروف البيئية أحيانًا!

أما دعوى (العشوائية) و(العمى) الذي لا هدف من ورائه، ولا محرك له في وصف هذه الغرائز فإنها دعوى يردها النظر البسيط في روعة مثل تلك التصرفات السلوكية التي تقوم بها تلك الكائنات، ولو تأمل فقط في طريقة بناء الطائر الصغير لعشه الرائع لتساءل طويلاً عن القوة المحركة لهذه الغريزة الواعية! فمن الذي علّم هذا الطير ذلك الفن الرفيع؟ ولماذا تتشابه جميع الأعشاش التي تبنيها الطيور من هذا النوع؟ إذا قلت: إنها الغريزة ـ المجردة ـ فإن ذلك قد يُعَدّ مخرجًا من السؤال، غير أنها في الواقع تعد إجابة مريحة، ولكن قاصرة، فما هي هذه الغرائز؟ ومن محركها الحقيقي؟ وما هي ماهيتها، ومعالمها؟ أفليس من المنطق، ومن الإنصاف أن نرى آثار قدرة الله ـ تعالى ـ تتجلّى في سلوكيات هذه الكائنات التي خلقها فسوَّاها وفقًا لقوانين وسنن خاصة لا نكاد ندرك من كنهها شيئًا؟

إنه الله القدير الذي تظهر آثار قدرته، ومعالم حكمته، ومظاهر رحمته من حولنا، إنه الله الذي خلق الكون وحفظه، وليس ذلك فحسب، بل هو الذي سخره لهذا المخلوق البشري الذي كرمه من بين سائر المخلوقات ، أفليس هذا الجواب المريح إذن أَوْلَى وأحرى بهذا الإنسان الجاحد؟ إن ذلك هو ما توصل إليه كثير من العلماء المتخصصين في سلوكيات الكائنات الحية، ممن آمنوا بالله العظيم ـ سبحانه ـ من خلال هذا النظر المجرد الذي يوقد شعلة الإيمان ويحرك كوامن الفطرة في نفوسهم، إذا كان هذا الإيمان العميق بالله ـ سبحانه ـ يتولد في أعماق هؤلاء العلماء الماديين من جرّاء تتبع السلوك العجيب لهذا الطائر الصغير، بل من خلال دراسة سلوك واحد متواضع من سلوكياته ألا وهو طريقته في بناء عشه التي لا تكاد تختلف من طائر إلى آخر من النوع ذاته، بل قد يؤخذ هذا الطائر صغيرًا من عشه، لا يدرك شيئًا مما يحيط به، ثم عندما يعزل تمامًا عن كل المؤثرات البيئية المحيطة ويكبر يصنع لنفسه عشٌّا على نمط نوعه تمامًا!! فأي قدرة عليمة تكمن خلف تلك الغرائز الواعية؟! إذا كان هذا الإيمان العميق بالله الخالق العليم ـ سبحانه ـ يشرق في قلوبنا من خلال التأمل في هذا السلوك العجيب من هذا الطائر الصغير، فدعونا إذن نقوم بجولة إيمانية أكثر إثارة، نتأمل فيها آثار قدرة ربنا ـ سبحانه ـ عبر النظر في سلوكيات الكائنات الحية من حولنا، عسى أن نتأدب معه ونحن نفسر هذه الغرائز الحيوانية الواعية مرة أخرى.

لقد زوّد الخالق الحكيم ـ سبحانه ـ هذه الكائنات بمثل تلك الغرائز بطريقة تبعث على الدهشة والإعجاب معًا، حتى إنك لتنظر في تصرّف العنكبوت مثلاً وهو يقيم عملاً هندسيٌّا يحار العقل في فهم خطواته، ثم تتعجب بعد ذلك من متانته وصموده بالرغم من رقته وخفته!! إن هذه الحشرة الصغيرة تنسج خيوطها بصورة تختلف كل مرة مع الوضع الذي تجد نفسها فيه، وبيوتها مصنوعة بدقة متناهية تأخذ بالألباب، ذلك أنها تتقيد بالمسافات البينية، وتراعي انفراج الزوايا في شكل هندسي رائع عبر نسيج من الحرير يبلغ قطره ثلاثة أعشار الميكرون(4)، وهو أدق وأرق وأخف وأمتن من حرير دودة القز، ويخرج من مغازل العنكبوت التي فيها عدد كبير من الأنابيب الغازلة قد يصل في بعض العناكب إلى ألف أنبوب؟! ونظرًا لأنه أدق خيط عرف في تاريخ البشرية فإنه يُعَدّ حاليٌّا للاستخدام في صنع الأجهزة البصرية وخياطة جراحاتها.

وتضرب لنا أسراب الطيور المهاجرة مثالاً فريدًا آخر لا يقل بهجة وروعة عن ذكاء تلك الغرائز التي ركبها الله ـ تعالى ـ في هذه الطيور، ذلك أنها تبدأ في هجرتها الجماعية عندما تستشعر اقتراب موسم البرد ـ وبخاصة طائر السنونو ـ فتبدأ هذه الطيور رحلتها الطويلة من البلاد الباردة إلى البلاد الحارة على هيئة أسراب جماعية تحلّق معًا في السماء، وقد تقطع في غالب الأحيان نحو ألف ميل فوق عرض البحار، ولكنها مع ذلك لا تضلّ طريقها أبدًا مهما كانت قسوة الظروف الجوية، بل إن طائر السنونو يحركه شعور خفي بضرورة هذه الهجرة، ويلازمه ذلك الشعور حتى عندما يُحبَس في مكان دافئ في موسم هجرته المعتاد، وكأن هناك دافعًا من الداخل يشعره باقتراب موسم البرد.

وهناك لغز أعجب من هذا حيّر العلماء طويلاً هو ما يتكرر سنويٌّا مع ثعابين الماء التي تسلك طريق هجرتها الطويل عند اكتمال نموها واقتراب موسم التزاوج، فتراها في وقت محدد من العام تتجمّع من مختلف البرك والأنهار لتهاجر معًا قاطعة آلاف الأميال في المحيط قاصدة إلى الأعماق السحيقة، وهناك تبيض ثم تموت!! ولا يزال هذا اللغز يدور في أذهان المهتمين بهذه الظاهرة، إذ ما هو المحرّك لها في سلوك هذا التصرف الغريب الذي يدفعها جميعًا ـ في وقت واحد ـ لتموت في مكان ناءٍ عن موطنها الأصلي، بعد أن تضع بيضها؟! ولم يعثر على جواب يفسّر هذه الظاهرة حتى الآن.

وتتجلى الحكمة والقدرة العظيمة ـ لكن بوضوح أكثر وبصورة مدهشة لا يدرك كنهها العقل البشري القاصر ـ في سلوك الصغار فيما بعد؛ ذلك أن هذه الصغار ـ بعد أن تخرج من البيض ـ لا تملك أي وسيلة لتعرف بها أي شيء من حولها سوى أن تعود أدراجها، وتسلك الطريق نفسه الذي جاءت منه أمهاتها، فتقاوم في سبيل ذلك التيارات القوية والأمواج العاتية المتلاطمة وتقطع كل هذه المسافات الطويلة التي تعجز عن تحملها أجسامها الصغيرة، ثم تتوزع إلى كل نهر أو بحيرة أو بركة صغيرة في موطنها الأصلي، ولهذا يظل كل جزء من الماء آهلاً بثعابين البحار!!

فمن أودع فيها تلك الرغبة والعزيمة، ومن هداها لسلوك هذا الطريق الطويل حتى تعود إلى بيئتها الأصلية؟ إن الغرائز (العمياء) بذاتها تعجز عن هذا السلوك الباهر بلا ريب.

ولك أن تتفكر في خصيصة أخرى تتميز بها تلك السلوكيات الغريزية لدى هذه الكائنات؛ ألا وهو (التوقيت الزمني) العجيب الذي يحكم سلوكياتها الرائعة، إنه أمر باهر حقٌّا يدعو للنظر والتأمل، فلو نظرت إلى الطيور المهاجرة بأسرابها الكثيرة لأدركت أن لها وقتًا محددًا من العام للطيران إلى وجهتها المحددة مسبقًا إلى الشمال أو إلى الجنوب، وكل فرد منها عندما تحين ساعة الهجرة ينضمّ إلى سربه، ثم تهاجر جميعًا في يوم واحد يكاد أن يكون معيَّنًا كل سنة!

بل إن دقة هذا التوقيت وروعته تبدو جليٌّا في حياة الجراد؛ وهو أمر أعجب يحار منه العقل في إدراك تلك الدقة المتناهية التي تبدو لأول وهلة وكأنها ضرب من الخيال إذ لا يكاد موعد خروج الصغار من البيض ـ بعد سنوات طويلة من الظلمة في جوف الأرض ـ يتقدم أو يتأخر!.

وقد قرأت أنه وجد في ولاية إنجلاند الأمريكية ـ وبعد دراسة لموسم التكاثر عند الجراد ـ أن الجراد البالغ من العمر سبع عشرة سنة يغادر شقوقه تحت الأرض ـ حيث عاش في ظلام دامس مع تغير طفيف في درجة الحرارة ـ ويظهر فجأة بالملايين في شهر مايو من سنته السابعة عشرة، وقد يتخلف بعض المتعثر عن رفاقه ـ بطبيعة الحال ـ ولكن الكثرة الساحقة تنضج بعد سنوات الظلام تلك، وتضبط موعد ظهورها باليوم تقريبًا دون سابقة ترشدها!

وليس هذا هو كل ما يتعلق بذلك التوقيت الدقيق الذي يُسَيِّر تلك الغرائز، بل إن هناك سلوكيات متكررة ـ قد لا تدرك بمجرد النظر العابر ـ بينما تكمن من ورائها معادلات ثابتة لا تتغير باستمرار، ولعل أروع مثال لذلك السلوك الغريزي يتمثل في تصرف نوع من صرَّار الليل الذي يصر عدة مرات في الدقيقة الواحدة تختلف دائمًا باختلاف درجة الحرارة المحيطة!! ولما أُحصيَت مرّات صريرها وجد أن هناك سرٌّا مذهلاً يكمن وراء ذلك الاختلاف في مرّات الصرير، ذلك أنها تسجل درجة الحرارة بالضبط مع فارق درجتين فقط!! ومع تكرار المتابعة والرصد كانت النتيجة التي تم التوصل إليها ثابتة دائمًا على مدار ثمانية عشر يومًا!! إنها قدرة الله ـ تعالى ـ تظهر لكل من تأمل وتفكر في الكون من حوله.

وإذا جاوزنا هذا السر العظيم من أسرار التوقيت الزمني لدى تلك الكائنات وتأملنا في طرائق الاتصال والالتقاء بين كثير من الحيوانات والحشرات لوجدنا نظامًا دقيقًا آخر يحكم تلك السلوكيات الغريزية التي لا تختلف بحال من الأحوال، ويعجز البشر عن مشاهدتها فضلاً عن وصفها وتحليلها.

إن أظهر لغة للتفاهم بين بني البشر ـ كما نعلم ـ هي لغة الكلام التي لا بد من تعلّمها منذ الصغر ليسهل التفاهم ويحصل الاتصال الاجتماعي فيما بعد، ولكن هذه اللغة تختفي تمامًا عند غير بني البشر ـ من الحيوانات و الحشرات المختلفة ـ ليحلّ محلها قدرات أخرى (خارقة) تساعد تلك الكائنات على التفاهم والتخاطب، وتختلف لغة التفاهم هذه باختلاف النوع والصنف والطائفة في الأجناس الواحدة، فالنمل العادي مثلاً يقوم أفراده بنقل انفعالاتهم إلى رفاقهم بواسطة تلامس قرون الاستشعار! بينما في عالم النحل نجد لغة أخرى لكنها أعقد وأدق في التفاهم بين الأفراد داخل الخلية وخارجها، فإذا اكتشفت النحلة أزهارًا متميّزة برائحتها وألوانها فإن لها طريقة أخرى للتخاطب ونقل الانفعالات غير النمل العادي، فهي ترشد بقية أفراد مملكتها عن طريق رقصات معينة تصدرها هذه النحلة يدرك مغزاها ومدلولاتها باقي النحل في الخلية لأنها مزوّدة بمقدرة هائلة على فك الشفرات الحركية وإدراك معانيها وأرقامها ووجهتها وما يتعلق بها، والتي يحتاج الإنسان إلى أن يفصح عنها بلغة الكلام في أسلوب هندسي أحيانًا كأن يقول لرفيقه ـ مثلاً: (طِر في خط مستقيم، بانحراف عشرين درجة على يسار الشمس، وبعد مائتي متر ستجد مساحة من أزهار البرتقال)!.

ومعلوم أن النحلة مهما ابتعدت عن خليتها فإن بإمكانها أن تعثر عليها مهما اشتدت الريح في هبوبها؛ ذلك أن النحل لا يرى الأشياء كما نراها نحن فهو لا تجذبه الأزهار الزاهية التي نراها، ولكنه يراها بالضوء فوق البنفسجي الذي يجعلها أكثر جمالاً في نظره، ولهذا فقد يعيش النحل في مناطق يكسوها السحاب معظم شهور السنة ولا يؤثر ذلك في عمله إطلاقًا.

أما أسلوب الاتصال بين أفراد البعوض فيختلف نوعًا ما، لقد أكّد العلماء الدارسون لحياة البعوض أن قرون الاستشعار المثبّتة على رأس كل بعوضة والمزوّدة بعدد هائل من الشعيرات الدقيقة الممتدة من رأس الذكر يمكنها التقاط الذبذبات الصوتية التي تحدثها الأنثى من مسافات بعيدة، لتفوق في ذلك أدق الأجهزة اللاسلكية التي اخترعها الإنسان على مدار تجاربه البشرية، والعجيب أن هذه الشعيرات لا تلتقط سوى إشارات أنثى البعوض فقط على الرغم من وجود أصوات عديدة أخرى في الجو تختلط فيها أصوات البشر بأصوات الطيور ومكبرات الصوت وغيرها! علمًا بأن الخالق ـ جل وعلا ـ قد زوَّد قَرْنَي الاستشعار اللذين تمتلكهما البعوضة بمقدرة هائلة، ويكفي أن نعلم أن ذلك الطنين الذي نسمعه وتصدره البعوضة يحدث نتيجة ما يقارب ثلاثمائة ذبذبة في الثانية عن طريق اهتزاز قرني الاستشعار!!

أما الفراشة فمهما حملتها الريح فإنها لا تلبث أن ترسل إشارة خفية يستجيب لها باقي الأفراد على مسافة بعيدة، وتصل الرسالة مهما أحدثت من روائح في سبيل تضليلها.

وكما تختلف طريقة التفاهم والتخاطب عند هذه الكائنات تختلف مواقع السمع والإحساس فيها كذلك، تبعًا لأنواعها وطوائفها، فقد توجد في أماكن غريبة من الجسم كأن تكون في رِجْلِ الحشرة أو في منطقة البطن منها، وهكذا فالجندبة الأمريكية (katy did) تحك ساقيها أو جناحيها معًا فيسمع صريرها الحاد في الليلة الساكنة على مسافة نصف ميل، وذلك عن طريق هزّها لكمية هائلة من الهواء من أجل إخراج ذلك الصوت القوي!

من جهة أخرى تستخدم بعض الحشرات التي تنشط ليلاً وسائل أخرى عن طريق إشارات ضوئية ذات تردد معين ـ كما هو الحال في بعض الحشرات المضيئة ـ وهذه الإشارات ذات دلالة يفهمها أفراد النوع نفسه.

إن الإنسان ليصاب بالعجز تمامًا عن الإبصار إذا ما حلّ الظلام الدامس، ولكنه لو كان على ظهر حصانه العجوز فإنه بإمكانه أن يصل إلى منزله بسلام مهما اشتدت ظلمة الليل؛ لأن ذلك الحصان يتمكن من الرؤية في ذلك الليل البهيم عن طريق ملاحظة اختلاف درجة الحرارة في الطريق وعلى جانبيه بعينين تأثرتا قليلاً بالأشعة الحمراء في الطريق، وكذلك البومة التي تستطيع أن تبصر الفأر الدافئ وهو يجري على الشعب البارد مهما تكن ظلمة الليل.

أما الخفاش فهو جندي الظلام الذي ينشط في الليل وينام في النهار ولا يسكن إلا الكهوف والأقبية المظلمة؛ إذ إنه ضعيف البصر، وسريع الطيران، ومع ذلك لا يصطدم بأي عائق أمامه، سواءً أكان جدارًا أو عمودًا أو غيره، ونتيجة للتجارب والملاحظات فقد وجد أن هذا الحيوان يُصدر أصواتًا على شكل نبضاتٍ ذات ذبذبات عالية تقارب مائة ألف ذبذبة في الثانية! وهذه الأصوات فوق مستوى سمع الإنسان.

وهذه النبضات الصوتية ـ التي يرسلها الوطواط (الخفاش) ـ إذا اصطدمت بشيء عاد رجعها إلى سمعه فأدرك أن أمامه ما يصطدم به مع الشعور بمقدار سطحه، فينعطف عنه بسرعة ولا يصطدم به.

لا شك بعد كل هذا أن مثل تلك السلوكيات الفذة ليست عمياء تحركها العشوائية والعبث؛ لأن من أخص خصائصها الدقة والتوقيت والانضباط، على الرغم من تتابعها في الصنف ذاته، وفي النوع من الجنس المشترك على مدار الحياة.

إن قدرة الله العليم الحكيم تتجلّى بوضوح من خلال النظر في هذه السلوكيات (الغريزية) ولا تزال ـ حتى الآن ـ تقدّم لها الفرضيات العلمية المبنية على المشاهدة والتجربة في سبيل العثور على تفسير علمي دقيق يحكم هذه الغرائز التي أودعها الخالق ـ جلت قدرته ـ في هذه الكائنات وتتوارثها جيلاً بعد جيل!

وهذا ما يدعونا حقٌّا إلى التأمل في آثار قدرة الله العظيم من حولنا، عبر النظر في مخلوقاته وآياته المسطورة في صفحات هذا الكون الفسيح، وعندها ندرك الحكمة من أمر الله ـ تعالى ـ لعباده بمتابعة النظر، والتفكر في مخلوقاته وآياته، وأخذ العبرة من ذلك، قال ـ سبحانه وتعالى: (إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِى الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)(5).

ولهذا تجد كثيرًا من العلماء الماديين المتخصصين في دراسة علوم الحياة والطبيعة يصرّحون بإيمانهم العميق بالله العظيم بعد أن يروا آثار رحمته وعلمه وقدرته ماثلة أمامهم.

يقول (ميريت ستانلي كونجدن) - وهو عالم طبيعة حاصل على الدكتوراه من جامعة بورتون: (إن جميع ما في الكون يشهد على وجود الله - سبحانه وتعالى - ويدلّ على قدرته وعظمته، وعندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها، حتى باستخدام الطريقة (الاستدلالية)، فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته، ذلك هو الله الذي لا نستطيع أن نصل إليه بالوسائل العلمية المادية وحدها، وليست العلوم إلا دراسة خلق الله وآثار قدرته)، وصدق الله القائل: (سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِى الآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ).

1 ـ صحيح البخاري، كتاب الدعوات/ باب التعوذ من عذاب القبر.

2 ـ صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن.

3 ـ رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه.

4 ـ الميكرون جزء من ألف من الملليمتر.

5- سورة آل عمران (190-191).