الحجارة ... بين الوصف القرآني والتصنيف الميكانيكي
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



محمد بن جابر المحمود

خبير جيولوجي ــ أرامكو السعودية


جاء القرآن الكريم هداية للناس إلى عبادة رب العالمين وحده، وترك عبادة غيره ولكي تكون هذه الدعوة مناسبة للعرض فقد اقترنت ببراهين تدل على صحتها. ولقد أتى القرآن الكريم بالأدلة المتنوعة التي تناسب كل فكر لتقوم الحجة بعد ذلك على من لم يؤمن بما جاء به. وكان ذكر الحقائق الكونية أحد الأسباب التي استخدمها القرآن الكريم للدلالة على ألوهية من نزّل القرآن الكريم بما تضمنه من قضايا العقيدة والعبادة ولهداية البشرية إلى معرفة الظواهر الكونية التي يمكن الاستفادة منها في إعمار الأرض وإصلاحها. وعندما يعرض القرآن الكريم الظواهر الكونية فإنه لا يذكر تفاصيلها لأن الغاية الكبرى من إنزاله هي هداية الناس إلى عبادة الله وحده، ولذلك كان القرآن الكريم يذكر وصفًا لما يبدو للعيان من هذه الظواهر مصحوبًا بحقيقة أو حقائق قد لا تكون متجلية للمشاهد عندما نزل القرآن الكريم إلا أنه قد يعلمها البشر على مر السنين إن هم تفكّروا وأنعموا النظر في هذه الظواهر.

لقد كانت قسوة الحجارة إحدى الظواهر الكونية التي اكتشفها الإنسان مبكرًا فاستخدمها في بناء مسكنه وحفر بئره وطحن حَبِّه وغيرها من الاستخدامات البدائية. لكن الإنسان لم يعلم أن هذه الظاهرة يمكن حسابها كميٌّا وبالتالي الاستفادة منها بشكل أكبر وأفضل إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وقد ذكر القرآن الكريم المحصلة النهائية لهذه الحسابات الكميــة وهي تقســيم الحجـــارة من حيث قسوتها إلى قســـمين رئيسيين: الأول هـــو مــــا يعـــرف في علم ميكــانيكا الحجــارة بالحجارة التكسرية Brittle Rocks والثاني هو ما يعرف بالحجارة اللدائنية Ductile Rocks وفي هذه المقالة سنتعرض للجانب العلمي المتعلق بقسوة الحجارة في آية سورة البقرة التي يقول الله فيها مخاطبًا بني إسرائيل: (
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) البقرة (74) .


ملخص ما ورد في تفسير الآية:

يذكّر الله بني إسرائيل بقسوة قلوبهم رغم كثرة ما رأوا من الآيات وأن قلوبهم قد تجاوزت في قسوتها الحجارة التي رغم صلابتها قد يخرج منها ما هو خير للبشر؛ قيل إن (أَو) في قوله (
أَشَدُّ قَسْوَة
) بمعنى الواو فيكون المعنى (وأَشَدُّ قَسْوَة) وقيل بمعنى (بل) فيكون المعنى (
بل أَشَدُّ قَسْوَة
) وأيٌّا كان المعنى الدقيق لها فهنا يعقد القرآن الكريم مقارنة بين القسوة المعنوية للقلوب والقسوة المادية للحجارة يدخل من خلالها إلى تقريب المعاني غير المحسوسة للعقول باستخدام المعاني المحسوسة
(وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ
) و (ما) في (لما) بمعنى (الذي) فيكون المعنى وإن من الحجارة الذي يتفجر منه الأنهار، وفي القاموس المحيط للفيروزآبادي (وانفجر الماء وتفجَّر: سال)، وقد ورد في كتاب المفردات في غريب القرآن الكريم للراغب الأصفهاني أن الفجر شقّ الشيء شقٌّا واسعًا، يقال فَجَرُته فانفجر وفجَّرته فتفجَّر. وقد أرجع بعض المفسرين التفجر إلى الحجارة بمعنى أن الفعل يكون من الحجارة أي هي التي تتفجر أي تتفتح بالسعة والكثرة؛ بحيث يخرج منها الماء بكميات كبيرة على شكل أنهار، وأرجع البعض الآخر من المفسرين التفجّر إلى الأنهار؛ فيكون المعنى: أن الماء يتفجّر أي يسيل بكميات كبيرة وباندفاع قوي من الحجارة التي تفتّحت نتيجة للدفع القوي من الماء الموجود فيها. قلت: والله أعلم بالمراد هنا، ولكن كلا المعنيين يبدو صحيحًا فالانفجار عندما يكون فعل للحجر فإن هذا الفعل يأتي كردّ فعل لما يسببه الماء من ضغط داخلي في الحجر فيتفتح الحجر. وعندما يكون الانفجار فعل للماء فإن الماء هو الذي يتفجّر من الحجر؛ أي يسيل منه بعدما تسبّب في تفتّحه؛ (
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآء
) أي وإن من الحجارة لما يشّقق وأصله يتشقق، قلبت التاء شينًا وأدغمت مع الشين الثانية، ووزنه يفّعّل وأصله يَتَفَعّل وهي المضارع من تَفَعّل والتي تدل إما على المطاوعة، وهو يطاوع (فعّل) مثل: علمته فتعلم وإما على التكلف وهو الدلالة على الرغبة في حصول الفعل له واجتهاده في سبيل ذلك مثل: تصبّر أو تدل على الاتخاذ مثل: توسّد ذراعه أي اتخذه وسادة أو تدل على التجنب، وهو دلالة على ترك معنى الفعل والابتعاد عنه مثل: تحرّج أي ترك الحرج. قلت: والملاحظ من هذه الدلالات أن فعل (يشّقّق) إما أن يكون له دلالة على المطاوعة فيكون التشقق كرد فعل لـ (شقق) أي أن الحجر تشقق كرد فعل لتشقيق الماء له أو أنه يكون له أحد الدلالات الثلاث الأخرى فيكون التشقق مصدره ذاتي من نفس الحجر. وقد أورد ابن حيان الأندلسي في البحر المحيط المعنى الشامل لهذا الجزء من الآية في قوله: (والمعنى: إن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يندفق منها الماء الكثير الغمر (
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآء
) التشقق: التصدع بطول أو بعرض، فينبع الماء بقلة حتى لا يكون نهرًا).

أما قوله (
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
) فقد لخص الأندلسي في البحر المحيط ما ورد فيها عن المفسرين فقال: (واختلف المفسرون في هذه الآية فقال قوم: إن قوله: (وإن من الحجارة) إلى آخره هو على سبيل المثل، بمعنى أنه لو كان الحجر ممن يعقل لسقط من خشية الله تعالى، وتشقق من هيبته وأنتم قد جعل الله فيكم العقل الذي به إدراك الأمور، والنظر في عواقب الأشياء، ومع ذلك فقلوبكم أشد قسوة وأبعد عن الخير. وقال قوم: ليس ذلك على جهة المثل: بل أخبر عن الحجارة بعينها، وقسمها لهذه الأقسام).

وقد علق الرازي في تفسيره تعليقًا علميٌّا على هذه الآية من ناحية ما تضمنته من ظواهر طبيعية فقال: (قالت الحكماء: إن الأنهار إنما تتولد عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض، فإن كان ظاهر الأرض رخوًا انشقت تلك الأبخرة وانفصلت، وإن كان ظاهر الأرض صلبًا حجريٌّا اجتمعت تلك الأبخرة، ولا يزال يتصل تواليها بسوابقها حتى تكثر كثرة عظيمة فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها أن تنشق الأرض وتسيل تلك المياه أودية وأنهارًا (
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآء
) أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عينًا لا نهرًا جاريًا، أي أن الحجارة قد تندى بالماء الكثير وبالماء القليل وفي ذلك دليل تفاوت الرطوبة فيها وأنها قد تكثر في حال حتى يخرج منها ما يجري من الأنهار وقد تقل) ويشتمل هذا التعليق على تصنيف علمي للحجارة من حيث قسوتها مستنبطًا من هذه الآية الكريمة، حيث يقول عن النوع الأول من الحجارة: (فإن كان ظاهر الأرض رخوًا)، ويقول عن النوع الثاني من الحجارة: (وإن كان ظاهر الأرض صلبًا حجريٌّا)، وقد يكون هذا التعليق من الإمام الرازي من أوائل الاستنباطات العلمية من هذه الآية.

قسوة الحجارة من منظور علم ميكانيكا الحجارة

لدراسة قسوة الحجارة في علم ميكانيكا الحجارة (Rock Mechanics) أهمية كبيرة تبرز عند الحاجة إليها في تنفيذ الإنشاءات الكبيرة مثل المصانع والجسور والسدود والمباني الكبيرة ويعبر عن هذه القسوة بمعادلات رياضية ورسومات بيانية تشمل الكثير من المتغيرات التي تم إجراء الكثير من التجارب والدراسات عليها، ولعل أكثر ما يعبر عن قسوة الحجارة تعبيرًا كميٌّا هو ما يعرف في علم ميكانيكا الحجارة بالعلاقة البيانية بين الإجهاد والاستجابة (Stress - Strain Relationship) تبين هذه العلاقة مدى وكيفية استجابة الحجارة للإجهاد الذي تتعرض له حيث تتعرض الحجارة في الطبيعة إلى أنواع مختلفـة من الإجهــاد (Stress) نتيجة الضغط أو الشد التي تكون مصادرها إما خارجية مثل ثقل الحجارة التي تعلوها أو الضغط أو الشد الناتج من تحركات القشرة الأرضية وإما داخلية مثل الضغط الناتج عن دخول الماء أو الزيت أو الغاز إلى المسامات الموجودة داخل الحجارة وهذا الإجهاد الذي تتعرض له الحجارة قد يكون قويٌّا أو ضعيفًا وقد يكون سريعًا أو بطيئًا وقد يكون في اتجاه واحد أو في اتجاهات مختلفة تأتي النتيجة النهائية للإجهاد باستجابة الحجارة (Strain) بحدوث تغيرات في حجمها أو هيئتها قد تنتهي بتشقق أو تكسر الحجارة، وتتناسب استجابة الحجارة للإجهاد مع نوع الحجارة وظروف الحجارة للإجهاد. ومن أهم الظروف الفيزيائية التي تهتم بمعرفتها عند محاولة التعرف على كيفية استجابة الحجارة للإجهاد درجة الحرارة التي يتم أثناءها الإجهاد، وكذلك مقدار الضغط الواقع على الحجر، ومقدار ضغط السوائل التي يحتوي عليها الحجر.

شكل رقم (1) العلاقة البيانية بين الإجهاد ةالاستجابة

يقسم العلماء الحجارة من الناحية الميكانيكية من زاوية الإجهاد باستجابة الحجارة إلى نوعين مثاليين تتدرج الأنواع الأخرى للحجارة بينهما:

1) النوع الأول تكون فيه علاقة الإجهاد باستجابة الحجارة علاقة طردية (شكل 1) بحيث كلما زاد الإجهاد زادت استجابة الحجر بتغير حجمه وهيئته ومع زوال الإجهاد يزول التغير في حجم وهيئة الحجر. وهذا النوع تنتهي علاقة الإجهاد باستجابة الحجر بالتشقق أو التكسر عندما تصل فيه التغيرات إلى نسبة 3 - 5% من الحجم والهيئة الأصليين، ويسمى هذا النوع بالحجر التكسري (Brittle Rock).

أما النوع الثاني فتكون فيه علاقة الإجهاد باستجابة الحجر ابتداء علاقة طردية كالنوع الأول إلى أن يصل إلى حد المرونة Elastic Limit (شكل 1) فتأخذ علاقة الإجهاد باستجابة الحجر نمطًا آخر يتميز بزيادة استجابة الحجر للإجهاد بحيث تظهر تغيرات كبيرة في حجم وهيئة الحجر مع أي زيادة طفيفة للإجهاد، ويتميز كذلك بعدم زوال التغيرات في حجم وهيئة الحجر بزوال الإجهاد. وهذا النوع لا ينتهي فيه الحجر بالتشقق أو التكسر إلا عندما تصل فيه التغيـرات إلى نسبـة 5 - 10% من الحجم والهيئة الأصليين للحجر، ويسمى هذا النوع بالحجـر اللدن (Ductile Rock).

ويعتبر هذا التقسيم تقسيمًا عامٌّا للحجارة من حيث قسوتها (Rock Stiffness)، ولكن لا يمكن اعتماد هذا التقسيم على إطلاقه، لأنه ليس هناك حد فاصل بين هذين القسمين ولأن الحجر الواحد قد تتغير قسوته حسب الظروف التي يوجد فيها عند تعرضه للإجهاد. يذكر جورج اتش ديفز أن (إحدى النتائج الأساسية لاختبار قوة الحجارة أن قياسات قوة الحجارة لا تعني شيئا البتة ما لم تكن الظروف التي حصلت فيها استجابة الحجارة معروفة، وكذلك فإن الاصطلاحات على تقسيم الحجارة إلى صخور تكسرية Brittle Rock وصخور لدائنية Ductile Rock لا تكون ذات معنى كبير ما لم تكن الظروف التي تم إجهاد الحجارة فيها معروفة) ومع التغيرات في هذه الظروف مجتمعة فإن هناك مجالا واسعا من درجات استجابة الحجارة للإجهاد الواقع عليها ويكون بالتالي تحديد هذه الاستجابة صعبًا، إلا أنه عندما يتم التركيز على ظرف واحد من هذه الظروف فإن عملية معرفة استجابة أي صخر للإجهاد كانت تراعي التغيير في طرف واحد فقط مثل درجة الحرارة أو ضغط السوائل داخل الحجارة، فتأتي نتائج كل تجربة لتصف استجابة الحجارة للإجهاد مع التغير في ذلك الظرف فقط دون التركيز على ا لظروف الأخرى.

النواحي العلمية الإعجازية في القرآن الكريم

عندما ذكر الله تعالى في الآية السابقة قسوة قلوب بني إسرائيل شبهها بإحدى الأشياء المحسوسة لدى البشر وهي الحجارة، ثم في إشارة لكون قلوبهم أقسى من الحجارة ذكر أن الحجارة تتفاوت في قسوتها ليعلم أن قلوبهم أقسى من أقسى الحجارة. ثم برزت بعض النواحي الإعجازية عند الحديث عن هذه الأشياء المحسوسة لتكون ذات دلالة على السبق القرآني لهذه الظاهرة العلمية لمن يتفكر ويبحث فيها من المتقدمين والمتأخرين. وقد أتت هذه النواحي الإعجازية مجملة غير مفصلة لتبقي مجال التفكير مفتوحًا وفرص اكتشاف الحقيقة متساوية لجميع من أنزل إليهم هذا القرآن من الأولين والآخرين.

الناحية الإعجازية الأولى في هذه الآية تتمثل في أنه عند ذكر قسوة الحجارة ذكر معها أحد الظروف التي لها تأثير كبير على التغير في هذه القسوة وهو وجود الماء والمقدار النسبي لضغطه داخل الحجارة ونفاذية الحجر. يذكر ادقر دبليو سبنسر Edgar W. Spencer في كتابه (مدخل إلى تركيب الأرض) (أنه كلما زاد ضغط الماء داخل الحجارة فإنها تكون أضعف وأكثر قابلية للتكسر Brittle ويشترط سبنسر لهذا التأثير (أن تكون الحجارة ذات نفاذية كبيرة نسبيٌّا بحيث تسمح بتوزيع متماثل للضغط في الأجزاء المختلفة من الحجارة) وهذا الشرط يعني أن يكون الحجر قابلاً لأن ينفذ الماء خلاله أو منه بسهولة بحيث يمكن أن يمر خلال الحجر أو يتدفق منه معدلات كبيرة نسبيٌّا من الماء. فإذًا هنا ربط بين ضغط الماء - الحاصل من كميات الماء التي من الممكن أن تتدفق من الحجر ـ وقابلية الحجر للتكسر، وهذه الحقيقة التي دُرست وحُققت في المختبرات قد أثبتها القرآن الكريم ملخصة في قوله تعالى: (
وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ
) ففي لفظة (يَتَفَجَّر) إشارة إلى أمرين: الأول هو وجود الماء تحت ضغط عالٍ داخل الحجر، والثاني هو تعرض الحجر للتكسر وليس للتشقق وذلك بسبب هذا الضغط العالي، حيث إن كلمة التفجر بالنسبة للتحجر تعني التفكك القوي المفاجئ، أمـا (لفظة الأنهار) فتدل على غزارة المياه التي تخرج من هذا النوع من الحجر، وبالتالي إلى النفاذية الكبيرة لذلك الحجر، وهذه الناحية الإعجازية فيها تبيين العلاقة الوثيقة بين قابلية الحجر للتكسّر والضغط العالي للماء في داخل الحجر وكذلك نفاذية الحجر.
الناحية الإعجازية الثانية هي في الوصف الدقيق للنوع الثاني من الحجارة في قوله تعالى: (
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ
) هذا الوصف مبني على أن تفاوت الحجارة في قسوتها إنما هو مرتبط بعوامل أخرى غير التركيب الكيمائي للحجارة وفي هذه الحالة هناك ربط لقسوة الحجارة بالضغط القليل للماء الموجود في المسامات بين الحبيبات المكونة للحجارة. يذكر ادقر دبليو سبنسر وصف هذا الربط بأنه تحت ظروف الضغط القليل للماء داخل الحجارة فإن قوة الاحتكاك بين الحبيبات الصغيرة التي تتكون منها الحجارة تكون قليلة جدٌّا فتبدأ الحجارة بالتشقق تدريجيا في المواضع التي يكون فيها ارتباط الحبيبات ببعضها ضعيفا فتنفصل الحبيبات وتتباعد عن بعضها البعض دون أن تتكسر الحبيبات نفسها، ومع هذا التشقق تحدث زيادة دائمة في حجم الحجارة مما يجعلها في هذه الحالة من النوع اللدائني Ductile Rock، ويتدفق الماء من خلال التشققات بشكل غير عنيف لأن ضغط الماء داخل الحجارة ليس قويا، ويكون هذا التدفق بكميات قليلة نسبيا لكون الشقوق ليست كبيرة. وهذا الوصف العلمي لقسوة الحجارة وعلاقتها بالمقادير النسبية لضغط الماء ومعدل تدفقه من الحجارة قد أورده الله تعالى بشكل دقيق في بضع كلمات في قوله تعالى: (
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ
) فيبدأ بقوله (وإن منها) أي وإن من الحجارة نوع آخر في قسوته غير النوع الذي ذكر في الجزء الأول من الآية، (لما يشّقق) أي لما يتصدع أو يتكون فيه شقوق، وصيغة يشقق هنا فيها دلالة على المطاوعة أي أن الحجارة شققت بسبب ضغط الماء فتشقق استجابة لهذا الضغط (فيخرج) أي يسيل ويتدفق من غير اندفاع لأن كلمة يخرج في هذا الجزء من الآية ذكرت في مقابلة (يتفجر) في الجزء السابق من الآية والتي تدل على الاندفاع بقوة، ثم قوله (الماء) للدلالة على أن الماء الذي يخرج من هذا النوع من الصخر إنما يكون بكميات قليلة وهذا يأتي من كون كلمة (الماء) أتت في مقابلة كلمة (الأنهار) في الجزء السابق من الآية، والأنهار جمع نهر وهو اسم دال على هيئة معينة من الماء الكثير.

الناحية الإعجازية الثالثة وهي ناحية علمية وفيها لمحة إعجازية لغوية في نفس الوقت تتجلى هذه الناحية الإعجازية في قوله: (وإن من الحجارة) وفي قولـــه: (وإن منها)، حيث يدل اللفظ في هذين المقطعين من الآية على التبعيض أي أن هذين النوعين من الحجارة هما على سبيل المثال لا الحصر. ومن ذلك يمكن الاستنباط أن الحجارة قد تكون أنواعًا كثيرة من حيث قسوتها باعتبار الظروف المختلفة التي تكون فيها الحجارة عندما تتعرض للإجهاد وغيرها.

واستكمالا للتدبر في الآية نلاحظ أن الجزء المتبقي من الآية هو قوله تعالى: (
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله
) يتحدث عن نوع آخر من الحجارة يهبط من خشية الله، وقد ذكر كثير من المفسرين أن معنى (وإن منها لما يهبط) أي يتردى من أعلى الجبل، كما ورد عند بعضهم أن الهبوط مجاز على الخشوع منها والتواضع الكائن فيها انقيادًا لله عز وجل. قلت ـ والله أعلم: المراد بالهبوط رغم أن ظاهر المعنى لا يدل على علاقته بقسوة الحجارة من الناحية الميكانيكية إلا أنها تنفعل من خشية الله بالهبوط كما تنفعل الحجارة الأخرى لما تتعرض له من ضغط الماء سواء كان الضغط قليلا أو كثيرا. ولعل العلم يكشف يوما ما عن المعنى المراد بالهبوط في هذه الآية إن لم يكن مجازيٌّا.

خاتمة:

هذه الآية التي يأتي سياقها في جملة من الآيات تتحدث عن حال بني إسرائيل وقسوتها رغم ما يذكرهم به ربهم من الآيات والنعم، ثم ربطت الآية بين قسوة القلوب ومقدار ما يكون فيها من الإيمان ومثلت لذلك بمثل مادي يمكن أن يراه ويلاحظه البشر في أي مكان وزمان، وذلك بتشبيه القلوب بالحجارة التي تتفاوت قسوتها حسب ما تحتويه من الماء، فالقلوب كالحجارة والإيمان هو الخير الذي يمكن أن تحتوي عليه هذه القلوب فتكون لينة بسببه فكان في هذا التشبيه والوصف الشامل والدقيق دعوة لكل من يسمع هذا الكلام من المؤمنين أن يتأمل في قلبه فيقيس درجة إيمانه بمقدار القسوة التي يجدها في قلبه، ثم يعمل على زيادة إيمانه كلما وجد زيادة في قسوة قلبه وكان فيه أيضا دعوة لكل من لم يؤمن بأن يتبصر ويتفكر في هذه الظاهرة الكونية التي تدعو إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له، فمن أبدعها وأبدع غيرها من الظواهر الكونية التي تحكم اتزان هذا الكون وما يحتوي عليه من المخلوقات هو المستحق للعبادة وحده لا يشرك معه أحد. وفيه أيضا دعوة لبني آدم جميعا لربط التفكر في الظواهر المادية بالسلوك الروحي والإيماني بشكل عام.

المراجع:

1- القرآن الكريم.

2- الرفاعي، محمد نسيبب 1988م، تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير (طبعة المعارف، الرياض).

3- تفسير أبي السعود في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

4- روح المعاني في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

5- تفسير البيضاوي في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

6- التفسير الكبير للرازي في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

7- الكشاف للزمخشري في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

8- أضواء البيان في تفسير القرآن للشاطبي برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

9- فتح القدير للشوكاني في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

10- تفسير النسفي في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

11- المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

12- تفسير السعدي في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

13- البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

14- الراجحي، عبده، 1984م، التطبيق الصرفي، دار النهضة العربية، بيروت، 211 صفحة.

15- صافي، محمود، 1995م، الجداول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه، دار الرشد،دمشق، 528 صفحة.