أوقـات الصـلاة والتوقيت الغـروبي
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



د. حسن محمد باصرة

لقد ربط الشارع توزيع أوقات الصلوات بحركة الشمس والظلال، وهو الأمر المتاح للحاضر والباد والجاهل والمتعلم؛ لأن مراقبة الظل من الأمور التي يمكن القيام بها مع القليل من المعرفة. فمع ظل الاستواء (وهو أقصر ظل خلال النهار وذلك لحظة بلوغ الشمس أقصى ارتفاع لها) يدخل وقت صلاة الظهر، ويدخل وقت صلاة العصر عندما يصبح طول الظل مساوٍ لطول الجسم بالإضافة إلى ظل الاستواء. أما الصلوات الأخرى فلا علاقة لها بحركة الشمس نهارًا بل بمدى انخفاضها عن الأفق. وعلى هذا الأساس ظهرت جداول زمنية تعتمد على الظل موضحة دخول وقت صلاتي الظهر والعصر خلال العام موزعة على بروج الشمس أو منازل القمر المتوافقة مع السنة الشمسية.

ومن أمثلتها جدول السيد عبدالرحمن مشهور الحداد المتوفى بتريم (حضرموت - اليمن) سنة 1320هـ وهو جدول معتمد على الظل وموزع على السنة الشمسية بناءً على منازل القمر. ومع ظهور الساعات تم استبدال عنصر الظل في الجدول إلى زمن الساعات وهو التوقيت الغروبي وذلك ما درجت عليه العادة في ذلك العهد ـ أي قبل قرن من الزمان ـ ويعتمد التوقيت الغروبي على معايرة الساعات مع غروب الشمس كل يوم على الثانية عشرة إشارة إلى نهاية يوم وبداية يوم آخر. ومع التغيرات التي طرأت على طرق التعامل مع التوقيت ظهر التوقيت الزوالي والذي يعتمد على جعل نهاية اليوم وبدايته لحظة منتصف الليل، وانتشر استخدام التوقيت الزوالي بعد أن نُسب إلى خطوط طول رئيسة وأثبت مدى صلاحيته وقدرته على توحيد الزمن على مناطق شاسعة تغطي دُوَلاً بأكملها، بينما كان التوقيت الغروبي يفتقر لمثل هذه التغطية؛ لأنه يعتبر توقيتًا محليٌّا يختلف من مكان إلى آخر، وإن كان على بُعد عدة كيلومترات.

وفي محاولة لتجديد جدول السيد عبدالرحمن الحداد قام البعض بتحويل الجدول من التوقيت الغروبي إلى التوقيت الزوالي، وبعد ظهور الساعات الحديثة والمبرمجة والتي تدل على دخول أوقات الصلوات بعد تغذيتها بخطوط الطول والعرض للمكان المقصود، ظهر أن جدول السيد عبدالرحمن بعد تحويله لا يتفق في دخول صلاة العصر مع ما تشير إليه الساعات المبرمجة وذلك في بعض فصول السنة. فإذا عرفنا أن السيد عبدالرحمن مشهور كان على قدر كبير من العلم والفقه؛ إذ كان مفتيًا لحضرموت ومؤلفًا لكتاب (بغية المسترشدين) في الفقه الشافعي وكان بالإضافة لذلك على دراية بعلم الفلك كما يلاحظ من الأجزاء الأخيرة من كتابه، فبعد هذا يظل السؤال: كيف حدث مثل هذا الفرق في جدول السيد مشهور وما تظهره بعض الحسابات الحديثة؟

لقد اتخذ البعض ذلك ذريعة ليبثوا ويشيعوا عدم الاعتماد على ما صدر عن أولئك الأفذاذ من فتاوى وعلم، ويشككوا في مدى ما كان عليه السيد عبدالرحمن من مكانة علمية، الأمر الذي ينعكس أيضًا على الذين وضعوه في تلك المرتبة، فلنتتبع كيف نشأ هذا الخطأ وما مصدره؟

ولبحث هذه المشكلة لا بد من التطرق إلى عدد من الحقائق الكونية المتعلقة بحركات الأرض حول نفسها والشمس، وقد تم عزو حركة الشمس الظاهرية خلال اليوم (من شروق وعبور لخط الزوال ظهرًا ثم الانحدار نحو الغرب) إلى حركة الأرض حول محورها مرة كل يوم. من المعلوم أن العرب قديمًا قسّموا اليوم إلى أربع وعشرين ساعة، وأطلقوا على كل ساعة منها اسمًا معينًا. واستمر الاعتقاد بأن طول اليوم مساوٍ للأربع والعشرين ساعة تمامًا لكن الحقيقة العلمية تنفي صحة هذا الاعتقاد، وأن ما هو معتمد من استخدامنا لرقم أربع وعشرين يعتبر متوسط طول اليوم المتغير خلال العام، أما أسباب هذا التفاوت فهي خارج نطاق ما نكتبه الآن. فأطول يوم يصل إلى 24 ساعة و17 دقيقة بينما أقصر يوم حوالي 23 ساعة و46 دقيقة ويكون تمامًا 24 ساعة في أربعة أيام فقط خلال العام، وهذا ما يوضحه الشكل(1)، وتُسمى هذه الظاهرة علميٌّا بمعادلة الزمن والتي لا يمكن لأي كتاب فلكي يُعنى بالتوقيت أن يخلو من التعرض لها، وتعتبر معادلة الزمن من الأساسيات الأولية المستخدمة في تحديد مواعيد الصلوات في جميع الجداول المتخصصة في حساب مواقيت الصلاة. 

الشكل (1) يمثل المنحنى التغير في طول اليوم بالزيادة أو النقصان عن 24 ساعة حيث نلاحظ أنه يبلغ أقصى طول له أوائل نوفمبر أي بزيادة حوالي 17 دقيقة ويقل عن 24 ساعة بحوالي 14 دقيقة حوالي منتصف فبراير. ويكون طول اليوم 24 ساعة فقط في أربعة أيام خلال السنة الشمسية.
الشكل (2) تغير موعد صلاة العصر إذا لم تستخدم معادلة الزمن، فالتوقيت غير المصحح يسبق الصحيح خلال آخر السنة وذلك لمدينة تريم إذ يبلغ أقصى قيمة للفرق حوالي 17 دقيقة وذلك في أوائل نوفمبر، كما يشير السهم.


هذا من الناحية العلمية، ومن الناحية العملية فقد كان هنالك ما يشير إلى التفاوت في طول اليوم وهو معايرة الساعات في التوقيت الغروبي على الساعة الثانية عشرة مع غروب الشمس كل يومين أو ثلاثة حيث إن الساعة قد تتقدم أو تتأخر خلال هذه الأيام المتتابعة حوالي دقيقة، وكان يُظن أن هذا ناتج من عدم دقة الساعات ولم يخطر بالبال أن هذا ناشئ عن اختلاف طول اليوم وهذه إشارة غير مباشرة لتفاوت طول الأيام.

وفي الحقيقة فغروب الشمس يتأخر كل يوم من 2 سبتمبر إلى 4 نوفمبر حوالي ربع دقيقة بعد مرور 24 ساعة عن الغروب الماضي، لهذا فإن طول اليوم في هذه الفترة يزيد دقيقة واحدة تقريبًا كل أربعة أيام وبالتالي فإن يوم 4 نوفمبر يعتبر أطول يوم في السنة وطوله حوالي 24 ساعة و17 دقيقة تقريبًا. ومن بعد 4 نوفمبر يبدأ طول اليوم في التناقص بنفس المعدل السابق حيث يتم إنقاص دقيقة كل أربعة أيام وذلك حتى يوم 25 ديسمبر حيث يكون طول اليوم فعلاً 24 ساعة تمامًا، ويستمر التناقص في طول اليوم عن 24 ساعة بنفس المعدل إلى يوم 11 فبراير وهو أقصر يوم في السنة وطوله حوالي 24 ساعة إلا 14 دقيقة ثم يبدأ طول اليوم في التزايد بنفس المعدل السابق حيث يتم زيادة دقيقة كل أربعة أيام وذلك حتى يوم 16 إبريل حيث يكون اليوم فعلاً 24 ساعة تمامًا، وما بين هذا التاريخ حتى الثاني من سبتمبر يتأرجح طول اليوم بين زيادة ونقصان يصل أقصاها إلى ست دقائق.

هكذا نلاحظ أن طول اليوم بالتوقيت الغروبي دائمًا عبارة عن 24 ساعة يزيد أو ينقص ربع دقيقة تقريبًا (وإن كان ذلك اليوم هو يوم 4 نوفمبر، الذي طوله 24 ساعة و17 دقيقة تقريبًا) لأن كل يوم ينسب إلى اليوم الذي قبله، بينما المعايرة التي تحدث يوميٌّا خلال السنة مع كل غروب تعمل على تعديل الفرق اليومي، في حين يوجد هناك فرق تراكمي يحدث في طول اليوم وهو الذي أطلق عليه معادلة الزمن. ومن هنا نرى أن تحويل التوقيت الغروبي إلى زوالي بطريقة أولية لا تتضمن معادلة الزمن (التي تحل مشكلة اختلاف طول اليوم) تسبب في ظهور هذا الإشكال الذي نحن بصدده.

وباستخدام المعادلات الرياضية لتحديد مواعيد صلاة العصر وتطبيقها على خط عرض مدينة تريم التي عُمل الجدول فيها (16.05 درجة شمالاً) خلال السنة بالتوقيت الزوالي وذلك باستخدام معادلة الزمن وبدونها، وهو ما يوضحه الشكل(2) نجد أن المنحنى الذي يمثل وقت حلول الصلاة المصحح يتأخر تدريجيٌّا عن المنحنى الآخر غير المصحح في فصل الشتاء ليصل غايته إلى ما يقدر بـ 17 دقيقة. وهنا لا بد لنا من وقفة، فعند وجود جدول للصلاة عُمل قبل أكثر من قرن من الزمان معتمد على الأرصاد المباشرة للظل ومشيرًا إلى اختلاف (ظاهري) في تقديم وقت صلاة العصر (عند تحويله من توقيت غروبي إلى زوالي) بحوالي 17 دقيقة تقريبًا وبالتحديد في أوائل نوفمبر وهو التاريخ الذي حددت فيه الدراسات الحديثة أكبر تغيير في معادلة الزمن فإنما يدل على مدى الدقة التي رافقت عمل ذلك الجدول بالرغم من صعوبة ومحدودية الوسائل التي كانت متاحة في ذلك الزمان مقارنة بما نحن فيه الآن، وما مصدر هذا الاختلاف الظاهري إلا عن عدم إتقان التحويل بين التوقيتين الغروبي والزوالي.