قراءة علمية لظاهرة الكسوف
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



د. حسن بن محمد باصرة

قسم العلوم الفلكية - جامعة الملك عبد العزيز

لقد شهد العالم في نهاية هذا القرن كسوفًا كليًا للشمس وقد رافقه الكثير من ردود الفعل على جميع المستويات والتي تخللها الكثير من الحذر والخوف والدهشة والاستغراب لذا فقد خلت بعض الشوارع من الناس واعتصم البعض في البيوت ومُنع الأطفال من النزول هذا ما حدث في بعض المجتمعات بينما البعض الآخر لم يكترث لهذا واستمرت حياتهم العادية كما هي.


وماذا يعني الكسوف؟ هو حجب القمر لضوء الشمس عنا, فإذا كان كليًّا فإن الاحتجاب يكون تامًّا إذ يتحول أثناءه النهار إلى ليل خلال دقائق معدودة ويحدث هذا في شريط محدود على سطح الكرة الأرضية أما البلدان التي تقع شمال وجنوب هذا الشريط فإنها تشاهد الكسوف جزئيًّا ومقدار الجزء المكسوف من الشمس يعتمد على البُعد عن هذا الشريط.

ولا شك أن الحدث نفسه يدل على مدى ضآلة القدرة البشرية أمام ما يحدث بين الأجرام السماوية وتختلف الانطباعات خلال هذا الحدث من شخص إلى آخر ومن عصر إلى آخر حسب المستوى الثقافي والديني. وقد ورد في الحديث الشريف بأن الكسوف والخسوف من الآيات التي يخوف الله بهما عباده وكان لفظ الحديث يدل على الاستمرارية لكل العصور. ففي ما مضى كان الناس يخافون الكسوف لحدوثه فجاءة وذلك قبل التوصل عن طريق الحسابات الحديثة إلى إمكانية تحديد وقت حدوثه بدقة متناهية, أما اليوم وإن قل الخوف وتغلف بإمكانية التعرف وتعيين الوقت وتحديد المكان فإنه لازال موجودًا بقراره النفس البشرية. لذا فسيكون نقاشنا عن آية الكسوف من خلال منظور عصري ومعرفة بعض الظواهر الطبيعية الهائلة التي لم يكن لاكتشافها من سبيل إلا عن طريق حدوث كسوف كلي للشمس.


سننطلق أولا مع فرع من فروع الفيزياء الشمسية وهو ما يتعلق بالطبقة الخارجية من الأغلفة المحيطة بالشمس والتي تدعى بالكرونا والمتميزة بالتدني الشديد في كثافتها الذي قد تعجز التقنية الحديثة عن عمل ما يشابه هذا التفريغ في المعامل الأرضية, لكن ما علاقة طبقة الكرونا بالكسوف؟


نظرًا لكثافة الكرونا المتدنية فإن شدة إضاءتها بالنسبة لقرص الشمس ذي اللمعان الشديد ضعيفة جدًّا لذا فإنه لا يمكن رؤية هذه الطبقة المحيطة بقرص الشمس إلا عندما يغطى قرص الشمس المتوهج وهذا ما يكون أثناء حدوث الكسوف الكلي للشمس مما يتيح رؤية طبقة الكرونا التي تحيط بالشمس من جميع الجهات. وبعد التمكن من مشاهدتها ورصد أشعة الكرونا فقد دل التحليل الطيفي لها على الارتفاع الكبير في درجة حرارتها والذي يصل إلى أكثر من مليون درجة مع العلم بأن الدراسات الطيفية لسطح الشمس دلت على أن درجة حرارة السطح ستة آلاف درجة تقريبًا, لذا فقد كان الارتفاع في درجة الحرارة في الطبقات الخارجية أمرًا خلاف المنطق إذ لابد أن تنخفض بالابتعاد عن سطح الشمس, وهنا يكمن التساؤل الذي يحظى باهتمام علماء الفيزياء الشمسية الأمر الذي لازال لغزًا بالنسبة لهم.


وفي محاولة للبحث والتوصل لمعرفة أسباب ارتفاع درجة الحرارة فقد كان من متطلبات القمر الصناعي سوهو الذي أطلق سنة 1995 والذي يدور حول الشمس ـ دراسة طبقة الكرونا ومعرفة العوامل التي تسببت في ارتفاع درجة الحرارة. والشاهد أنه لولا حدوث الكسوف الكلي لما أمكن التوصل لرؤية ومعرفة الكرونا والتي تعتبر آية في ضآلة كثافتها والارتفاع الشديد في حرارتها.


أما الظاهرة الأخرى التي تتعلق بالكسوف الكلي فهي البدايات الرياضية للنظرية النسبية التي وضعها أينشتاين في أوائل هذا القرن الميلادي وهي عبارة عن معادلات رياضية بحتة والتي يصعب تطبيقها على الأرض لحاجتها إلى جسم ذي كتلة عظيمة وجاذبية كبيرة جدًّا وتتعلق هذه المعادلات بإمكانية تأثر الضوء بالجاذبية الناتجة عن كتلة كبيرة جدًّا أثناء مروره بالقرب منها. وتعتبر كتلة الشمس أكبر كتلة في المجموعة الشمسية لذا لم يكن أمام العلماء للتحقق من صحة هذه المعادلات إلا استخدام ظاهرة الكسوف الكلي للشمس واستنباط تأثير كتلة الشمس القوية وجاذبيتها العظيمة على مواقع النجوم التي تظهر بالقرب من الشمس أثناء الكسوف الكلي وتحول النهار إلى ليل.


وبالفعل تم تصوير هذه النجوم نهارًا أثناء الكسوف الكلي الذي حدث سنة 1919 وتمت مقارنتها بصور نفس المجموعة النجمية وذلك أثناء ظهورها ليلا أي قبل حدوث الكسوف بعدة أشهر. وقد أدت المقارنة إلى صحة العلاقات الرياضية التي استنبطها أينشتاين, وكان هذا الحدث السبب في شهرة أينشتاين. ولم يقف الأمر لظاهرة انجذاب الضوء عند هذا الحد بل تسببت التقنية الحديثة في تطبيق هذه الظاهرة في دراسة الآفاق السحيقة للكون والمساعدة في البحث عن المادة غير المرئية والتي منها الثقوب السوداء ويعتبر هذا من المجالات البحثية الحديثة في مجال العلوم الفلكية الحديثة اليوم والتي ترينا بعض آيات المولى ـ عز وجل ـ في الكون.


هكذا رأينا كيف كان للكسوف الكلي يد في التعرف والتوصل إلى بعض الحقائق الطبيعية التي أودعها المولى ـ عز وجل ـ في هذا الكون لتكون كدلائل وآيات تشير إلى قدرته, ولعل ظاهرتي الكسوف والخسوف تكتنفان الكثير من الآيات والأسرار التي لا تزال البشرية عاجزة عن الكشف عنها والتي ستكون مناسبة لعصور وأجيال قادمة والله أعلم.