ملامح من منظومة الشاطري الفلكية
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



(اليواقيت من فن المواقيت)

د. حسن بن محمد باصرة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله وصحبه الغر الميامين. وبعد فمما لا شك فيه أن المرحلة العلمية الراقية التي توصلت إليها البشرية عبارة عن لبنات من المعرفة الإنسانية والتي امتدت إلى عهود قديمة ففي كل عصر يتم التوصل إلى معارف ونظريات جديدة، واستمر الحال إلى ما وصلنا إليه اليوم، وقد ترك علماؤنا تراثاً فلكياً رفيعاً يمثل هرماً عظيماً في تاريخ العلوم التجريبية له بصمة كالشمس في رابعة النهار لا يمكن إغفالها أو تغافلها، ونحن بصدد منظومة فلكية توشحت برداء أدبي متميز فأصبحت كدرة متفردة من تراثنا الثقافي العظيم، وقد اشتملت هذه المنظومة على الكثير مما كان يحتاج إليه من علم الفلك وبعضاً من الحقائق العلمية المعروفة إلى تاريخ إنشائها.


وقد وضعها الأستاذ السيد العلامة المتفنن محمد بن أحمد الشاطري عام 1349هـ وهو في غرة شبابه، وكان موضوعها من ضمن منهج مادة تقويم البلدان (الجغرافيا) بمدرسة جمعية الحق بمدينة تريم بحضرموت، وقد كان الأستاذ الشاطري. بما وهبه الله من ملكة أدبية، يقوم بعد الفراغ من الدرس بنظم وتلخيص ما احتواه الدرس من معلومات على شكل قطع أدبية تجمعت قطراتها وكونت هذا السيل الذي بلغ مداه 368 بيتاً، ليستمر تدفقه إلى ما شاء الله راوياً ظمأ من يحتاج إلى بعض المعارف الفلكية ويشبع فضول من يتحرى ذلك.


افتتاحية المنظومة:

ابتدأ الناظم أرجوزته بما جرى عليه أسلوب الأراجيز منوهاً باسمه ونسبه وحداثة سنه بقوله: (الفتى)، إذ كان عمره حوالي ثمانية عشر عاماً. ثم ثناها بحمد الله والثناء عليه – عز وجل – بما هو أهل له، ذاكراً بعض دلائل قدرته – سبحانه وتعالى – مثل رفع السماء وخلق الأرض وبث الكائنات، وتظهر في هذه البداية براعة استهلال دالة على غرض المتكلم بالتلويح من غير تصريح، وذلك في وقله (رافع السماء) وذكر النجوم إشارة لطيفة إلى أن موضوع المنظومة متعلق بعلم الفلك وفي هذا قال:

قال الفتى محمد بن أحمدا     الشاطري العلوي محتدا

الحمد للإله رافع السماء      من خلق الأرض وأبدى الأمما

مسخر النجوم ذات السير     لنهتدي في ظلمات البر


ثم تطرق الناظم لذكر بعض الحقائق الكونية مستمداً وصفها من الأسلوب القرآني وذلك بقوله: (والشمس تجري لمستقر لها)، وأن عدد الشهور عند الله اثنا عشر، وأنه عز وجل ملمحاً بما يحتويه الكون من عظمة وانتظام حركته التي تلجم الملحدين وتنسف أقوالهم وتزيد الذين آمنوا إيماناً، وفي هذا قال:

والشمس تجري عند لمستقر       وقال عدة الشهور اثنا عشر

وجعل الشمس سراجا والقمر      نورا وكم له تعالى من عبر

تنسف أقوال ذوي الإلحاد        وتوقف العقل على الرشاد


وبعد الحمد والثناء على المولى عز وجل ثنى الناظم بالصلاة على نبيه وعلى آله، ثم عدد مواضيع المنظومة والأبواب التي احتوتها وهي المجموعة الشمسية، وحركة الشمس وما يتبعها من تغير في طول الليل والنهار خلال العام، والبروج، والقمر ومنازله، والتقاويم، وأخيراً الساعات والظل وما يتبعه من تحديد لأوقات الصلاة والاتجاهات وتحديد القبلة، وذكر أنه أطلق على هذه المنظومة اسم اليواقيت من فن المواقيت، إذ قال:

ثم صلاته على شمس الوجود       محمد والآل أنجم السعود

وهذه مسائل قليلة                  نظمتها في غاية السهولة

فيها شهور العرب والإفرنج      والقبط والروم وذكر البرج

والميل والظل مع الساعات       وما سوى هذا من الميقات

كما ستبدو لك بالمشاهدة        واسأل الله عموم الفائدة

وباليواقيت لقد سميتها         من المواقيت قد انتقيتها

فمن يكن يحفظ ذي العجالة      يستخرج الوقت بغير آلة


الأرض والمجموعة الشمسية:

كان ذكر الشمس والكواكب بشكل طفيف إذ أجمل الناظم ما ظهر من طبيعة الشمس وتفاعلاتها وتبعية الأرض وبقية الكواكب لها، كما أفاد بأنها لا تصدر الإضاءة من ذاتها بل تعكس ضوء الشمس الساقط عليها فقال:

الشمس نجم حل في الفضاء     ملتهب بالحر والسناء

وأرضنا به دواما دورها       ومنه يأتي بردها وحرها

وهو كمثل سائر الكواكب      في شكله مدور الجوانب


وهي نجوم عدة تسير حوالي الشمس فتستنير ولم يكن ضياؤها من نفسها بل هو بانعكاس نور شمسها ثم سرد تعداد الكواكب وذكر منها ثمانية من ضمنها كوكب الأرض، ولم ينوه الناظم بالكوكب الأخير المعروف ببلوتو إذ لم يكن من ضمن المعلومات التي لدى الناظم – الأمر الذي يشير إلى تاريخ إنشاء المنظومة لأن اكتشاف بلوتو كان عام 1930م، وقد صاحب ذكر هذا العدد عدم الجزم بأنه تحديد نهائي وذلك عنما قال: (الآن) كأنه استشف زيادة هذا العدد، ومما قاله بهذا الصدد:

وعدد السيارة الآن ثمان      وهي عطارد الذي للشمس دان

فزهرة فالأرض فالمريخ      فالمشتري فزحل البذيخ

أو زائد يتبعه على قدر      بتابع يدعى ويدعى بالقمر


أما كوكب الأرض فقد بسط فيه بعض الشيء حيث بدأ بذكر إحدى نظريات تكون الأرض وأنها عبارة عن جزء انفصل عن الشمس ثم تجمدت أجزاؤه العليا وأن كرويتها ليست تامة بل إن قطرها الاستوائي أطول من قطرها القطبي (التسطح عند القطبين) ثم ذكر محورها الذي يمر بمركزها وبقطبيها وهو ما قصده الناظم بقوله: (بينهما) وكذلك أشار إلى حركتيها الرئيستين وهو دورتها حول محورها وحول الشمس فقال:

يقال إن الأرض جزء انفصل    عن هذه الشمس إلى هذا المحل

وبردت قشرته العليا فصار       كما نرى وحدها بالاختصار

وشكلها ككرة وفيها              شيء من التسطيح في قطبيها

بينهما على مسافة سواء          دائرة تدعى بخط الاستواء

هناك خط مستطيل وهمي         يمتد بينهما كالسهم

بمركز الأرض يمر دوما         هذا الذي بالمحور المسمى

ودائم الوقت لها حركتان         إحداهما ينتج عن الأبيضان

أخراهما طويلة متسعة         ونتجت عنها الفصول الأربعة


البروج:

ونتيجة لحركة الأرض حول الشمس فإن مسقط الشمس يتغير يومياً بين تلك النجوم فهو يتحرك خلال النجوم على دائرة وهمية أطلق عليها دائرة البروج وزعت النجوم التي تحيط بها إلى اثنتي عشرة مجموعة أطلق عليها بروج. أنظر الشكل (1)، وفي هذا قال الناظم:

اعلم بأن الأرض حول الشمس     هي التي تدور لا بالعكس

كما إلى من قد رأي يخيل          لكنما الثاني هو المستعمل

وإذ تدور خلفها تخلف             دائرة وهمية وتعرف

بفلك البروج أو بالمنطقة         بروجها اثناء عشر محققة

ولا يرى في أي وقت من الليل سوى ستة بروج بينما البقية تكون تحت الأفق وتكون الشمس في إحداها في الشكل (1) يكون مسقط الشمس بين النجوم المكونة لبرج القوس، بينما البروج التي تظهر ليلاً هي الحوت والحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد، بحيث يكون برج الثور متوسط السماء في منتصف الليل وهو البرج المقابل للبرج الذي تقع فيه الشمس، ومع تغير موقع الأرض على مدارها فإن مواعيد شروق البروج تتقدم يومياً لذا فإن المجموعات النجمية التي تظهر في السماء تتغير: ففي خلال فصلي الربيع والصيف تكون مواقع شروق الشمس وغروبها شمال الشرق والغرب الجغرافيين، بينما خلال الخريف والشتاء تكون مواقع الشروق والغروب جنوب الشرق والغرب الجغرافيين. لهذا فقد قسمت البروج إلى قسمين شمالي وجنوبي لكل منهما فصلين من فصول السنة، كما حددت بداية ونهاية كل فصل بتواريخ محددة.

وعلى هذا فقد وزع الناظم البروج على فصول السنة الأربعة بتواريخها مبتدءاً بالبروج الشمالية الواقعة في فصلي الربيع والصيف، ويبدأ فصل الربيع ببرج الحمل ويكون ذلك في 22 مارس، ويتبع هذا البرج كل من الثور والجوزاء، وبانتهاء هذه البروج ينتهي الربيع ليبدأ فصل الصيف ببرج السرطان في الثالث والعشرين من يونية (جون) ويتبع فصل الصيف برجا الأسد والسنبلة وبهذا تنتهي البروج الشمالية، وفي هذا قال الناظم:

هذي البروج عندهم قسمان        ذات الشمال ولها فصلان

فصل الربيع وابتداء مدخله       حلول شمسه ببرج حمله

موافق لاثنين مع عشرينا         في شهر مارس كما أنبينا

والثور والجوزاء من بروجه      والسرطان مقتضى خروجه

ومدخل الصيف ومبدؤه يكون     عشرين مع ثلاثة في شهر (جون)

والليث من بروجه فالسنبلة        فهذه ذات الشمال مكملة


أما البروج الجنوبية فلفصلي الخريف والشتاء، إذ يبدأ الخريف ببرج الميزان وذلك في 24 سبتمبر ويحتوي كذلك على برجي العقرب والقوس، وأخيراً فصل الشتاء الذي يحتوي على البروج المتبقية ويبدأ ببرج الجدي في 23 ديسمبر ويتبعه برجا الدلو والحوت، وبهذا تنتهي البروج الجنوبية والتي أوضحها الناظم بقوله:

وللجنوبية قل فصلان          فصل الخريف أول الميزان

موافق أربعة وعشرين         في شهر سبتمبر عند الحاسبين

وبعده العقرب ثم القوس        ومنتهاه أن تحل الشمس

في الجدي في ثلاثة وعشرين   ديسمبرا فيدخل الشتاء يقين

وبعدها الدلو الذي أعقبه        الحوت فاحفظ نظمها مرتبة


دوران الأرض حول الشمس:

اتسم موضوع دوران الأرض حول الشمس بالرفض والقبول على شتى المستويات ففي كل جيل فئة ممن لم تقتنع بمثل هذه الأمور لأنها ترفض ما لا تألفه، وذلك لما ترى من حركة ظاهرية للشمس إذ تبزغ من الشرق ثم تعبر خط الزوال ظهراً ثم تنحدر ناحية الغرب ليسود الليل فيتعارض ما يراه بما تقوله التجارب بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس، ويحصل الاضطراب لعدم القدرة على ربط ما يشاهد من حركة ظاهرية يومية للشمس وبين القول بأن الأرض تابعة للشمس وتدور حولها. لذلك فعندما وصف الناظم حركة الأرض حول الشمس بقوله:

اعلم بأن الأرض حول الشمس     هي التي تدور لا بالعكس

كما إلى من قد رأي يخيل       لكنما الثاني هو المستعمل


لم يعبر الأمر كما أراد الأستاذ الشاطري إذ عارضه أحد علماء تريم الشيخ العلامة محمد بن عوض بافضل بقوله:

القول أن الأرض ذات دوران     مخالف لما أتى به قرآن

يقول ربنا وكل في فلك        والشمس تجري بعد ذا لم يبق شك


وعندما عرض الأمر على العلامة السيد عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف أجاب مؤيداً للشاطري بقوله:

القول أن الأرض ذات دوران       موافق بما أتى به قرآن

أفتى بذاك العالم الجرجاني      وقبله قد صحح الإرجاني


القمر:

أما عن القمر فقد نوه إلى ثلاث حقائق: الأولى تبعيته للأرض، الثانية أنه يستمد نوره من الشمس، وأخيراً أننا لا نشاهد منه سوى وجه واحد فقط فقال:

للأرض تابع بها يدور        هذا هو البدر الذي ينير

ونوره من السراج مستمد    يقابل الأرض بوجهه أبد

وعلى سبيل التمثيل للوضع الأخير نلاحظ أن الطائف حول الكعبة يكمل دورة كاملة حول نفسه مع كل طواف. أي أن الفترة الزمنية التي يكمل فيها شوطاً واحداً حول الكعبة مساوية للفترة الزمنية التي يدورها حول نفسه، وخلال ذلك يكون الكتف الأيسر هو المواجه للكعبة المشرفة دائماً وهذا يشبه ما يحدث لدوران القمر حول الأرض حيث يقابلها بوجه واحد أبدا وذلك لأن فترة دورانه حول نفسه مساوية لفترة الدوران حول الأرض.


دوران القمر الاقتراني والنجمي:

وأثناء دوران القمر حول الأرض تحدث تغيرات ظاهرية في شكله تدعى بأطوار القمر تبدأ بالهلال يظهر فوق الأفق الغربي كقلامة الظهر في أول الشهر وذلك بعد غروب الشمس مباشرة. ثم تزادا مساحة الرقعة المضاءة منه إلى أن يصبح بدراً، ويتناقض شيئاً فشيئاً حتى يصبح كالعرجون في آخر الشهر. ثم يتحاذى مع الشمس مرة أخرى بعد فترة متوسطها تسعة وعشرون يوماً ونصف يوم وهي الدورة من المحاق إلى المحاق مرة أخرى ويسمى بالشهر الاقتراني، وفي هذا قال الناظم:

ويتراءى حينما يدور           شيئا فشيئا وجهه المذكور

وينتهي في تسعة وعشرين    ونصف يوم دوره للحاسبين

هذا من المحاق للمحاق         وهو عبارة عن التلاقي


ويجب التنويه إلى أن فترة الشهر الاقتراني لم تكن ناتجة عن حركة القمر حول الأرض بل اشتركت فيها أيضاً حركة الأرض حول الشمس لأن الفترة الحقيقية لدوران القمر دورة كاملة حول الأرض تقدم بحوالي 27.3 يوما وهذه الفترة تدعى بالشهر النجمي، وهي أقل من الدورة المحاقية بيومين وسدس تقريباً ( وهو ما قصده الناظم بقوله (من ته) حيث (ته) اسم إشارة يقصد به الدورة المحاقية)، ولتوضيح الفرق ما بين الشهر الاقتراني والشهر النجمي يجب تتبع حركة القمر حول الأرض بالنسبة للشمس ولنجم آخر وهذا ما يوضحه الشكل (2) حيث في الوضع (أ) تكون الأرض والقمر والشمس ونجم بعيد جداً على استقامة واحدة وذلك لافتراض بداية لشهر محاقي ولشهر نجمي ثم يبدأ القمر في الدوران حول الأرض وفي هذه الأثناء تنتقل الأرض حول الشمس في رحلتها السنوية فنجد أنه بعد 27.3 يوما يكمل القمر دورة كاملة حول الارض (360 درجة) إذ تعود الأرض والقمر والنجم ليكونوا على استقامة واحدة بهذا يكتمل الشهر النجمي وذلك في الوضع (ب)، أما لإتمام الشهر المحاقي فلابد للأرض والقمر أن يدورا بزاوية 27 درجة ليقترنا بالشمس مرة أخرى وهذا يستغرق حوالي يومين وسدس يوم، وفي هذا قال الناظم:

أما زمان الدور من بدأته     فغير يومين وسدس من ته


الشهر القمري وأنواعه:

في هذا المقطع وضح الناظم أنواع الشهر القمري الثلاثة: الأول هو المحاقي أو الفلكي وهو الفترة الزمنية ما بين اقترانين للقمر مع الشمس، وقد وصفها الناظم بالدورة الطويلة وهي حوالي 29.5 يوماً لكن هذه قيمة تقريبية أما القيمة الدقيقة فهي 29 يوماً و 12 ساعة و44 دقيقة و 3 ثوان. وقد أجمل ذلك بقوله:

الشهر إما فلكي حقيقي     وهاكه بالضبط والتحقيق

فهو زمان الدورة الطويلة   للبدر حول أرضنا الجميلة

وزد من الدقائق المعدة    أربعة وأربعين فردة

وزد ثلاثا فوقها ثواني     فالفلكي مجموع ذا الزمان


أما النوع الثاني فهو الأشهر الاصطلاحية وعدد أيامها نظرياً 30 يوماً و29 يوماً بالتناوب وهكذا حتى الشهر الأخير يكون 29 يوماً ما عدا السنة الكبيسة (سيأتي شرحها لاحقاً) فيكون عدد أيامه 30 يوماً، وفي هذا قال:

أو اصطلاحي وعده يكون     في كل زوج تسعة وعشرون

إلا الأخير في سني الكبس     فهو ثلاثون بدون لبس


أما النوع الثالث من الأشهر القمرية فهو الشرعي وهو الذي يبدأ برؤية الهلال بعد غروب الشمس في اليوم التاسع والعشرين وله احتمالات: إما أن تتم الرؤية فيكون دخول الشهر الشرعي بالرؤية وهذا ما وصفه الناظم بقوله (مرئي) وإن لم ير الهلال فإن الشهر يكمل 30 يوماً وهذا ما وصفه الناظم بقول (الكمالي) وفي هذا قال الناظم:

هذان تعريفان أو شرعي     وهو الكمالي أو المرئي

وحيثما أطلق ذكر الشهر     فالاصطلاحي بغير نكر


التقاويم:

ومن الأبواب الرئيسية في المنظومة كان باب التقاويم المختلفة مثل الهجري والميلادي والقبطي والسرياني وكيفية إيجاد أوائلها وتحويلها إلى الهجري وبالعكس، وسوف نستعرض بعضاً مما احتوته المنظومة بخصوص التقويم، فعندما دعت الحاجة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى استحداث تاريخ خاص بالأمة الإسلامية اجتمع الصحابة لهذا الأمر وكان الرأي لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بأن يبدأ التاريخ بعام الهجرة الذي فصل المولى عز وجل بها بين الحق والباطل والهدى والضلالة وقد وافق أول أيام ذلك العام يوم الخميس وفي هذا قال الناظم:

فمبدؤه يوم الخميس الغرة    للأول الحرام عام الهجرة

برأي مولانا علي لعمر     أساسه مبني على دور القمر


ونظراً للحاجة لوضع نتيجة للسنة من أول يوم كان لابد من المعرفة الدقيقة للفترة الزمنية المتوسطة لدوران القمر حول الأرض التي تساوي 530.588. 29 يوماً أي أن السنة القمرية تحتوي على 367.7. 354 يوماً، وهذا السبب في نشوء الكبس في التقويم الهجري ولأن السنة لابد أن تحتوي على أيام كاملة فقد اعتبر أن السنة تحتوي على 354 يوماً أما الكسر المتبقي فقد أنه يتجمع ليكون حوالي 11 يوماً كل سنة قمرية، وهذا هو الدور الصغير الذي ذكر في النظم وهو يحتوي على عدد متكامل من الأيام.

اعلم بأن لها دوراً صغير     وهو ثلاثون خريفاً ويصير

محتوياً هذا على إحدى عشر    كبيسة والغير بالبسط اشتهر


وقد تم الاتفاق على توزيع هذه الأيام الأحد عشر على عدد إحدى عشرة سنة من السنوات الثلاثين وأصبحت هذه السنوات تحتوي على 355 يوماً، وسميت هذه بالسنوات الكبيسة بينما التسع عشرة سنة الباقية سميت بالسنوات البسيطة، وكان توزيت السنوات الكبيسة في كل دور صغير بترتيب خاص وهن كما يلي على التوالي: السنة الثانية، والخامسة، والسابعة، والعاشرة، والثالثة عشرة، والخامسة عشرة، والثامنة عشرة، والحادية والعشرون، والرابعة والعشرون، وأخيراً التاسعة والعشرون، وذلك في كل ثلاثين سنة قمرية، أنظر الجدول (1)، والقصد بقوله (في كل لام) أي كل ثلاثين، وهذا ما أوضحه حين قال:

نظمها بعض ذوي التفكير    على حساب الجمل الكبير

بهر وعشر ثم يج بعد        ويه يح وكاكد تعد

وكو كط كبائس للعرب      في كل لام بعد هجرة النبي


وكما أن الدور الصغير كان (30 عاماً ) وقد احتوى على أيام كاملة وعددها 10.631 يوماً، والتي تشمل 1.518 أسبوعاً ويتبقى عدد من الأيام وقدره خمسة أيام وللحصول على فترة تحتوي على عدد متكامل من الأسابيع وجد أنها عبارة عن سبعة أضعاف الدور الصغير أي 210 سنة وهي التي وصفت بالدور الكبير، وفيها قال الناظم:

واعلم بأن لهم دوراً كبير     وقدره سبعة أضعاف الصغير


أما لمعرفة أول يوم في السنة الهجرية فقد استخدم الناظم طريقة رياضية سهلة تعتمد على معرفة عدد أيام السنين السابقة للسنة المطلوبة منذ الهجرة وحذف ما تحتويه من أسابيع كاملة (بعد الحرص على التعرف على كبائسها وبسائطها) والرقم الذي يفيض بعد هذا تعد به الأيام ابتداء من الجمعة وآخرها يكون اليوم الذي حدد بداية السنة المطلوبة، كما في الجدول (2). فإذا كان الرقم الباقي صفراً يعني أن الأيام المنقضية عبارة عن أسابيع كاملة لذا كان الوقوف على يوم الخميس لأن بداية أول سنة هجرية كان يوم الخميس وكلما زاد الباقي رقماً كلما توالت الأيام التالية ليوم الخميس كما هو في الجدول، والخطوات التي اتبعها الناظم كما يلي:

·        طرح الأدوار الكبار لأنها تحتوي على أسابيع كاملة وذلك بالقسمة على 210.

·   ثم قسم الباقي على الدور الصغير وضرب الناتج الصحيح في خمسة فكان هو المحفوظ الأول (وكما ذكرنا أن الدور الصغير 30 سنة وتحتوي على 1.518 أسبوعاً كاملاً بالإضافة إلى 5 أيام وهذا هو سبب الضرب في خمسة).

·   ثم النظر إلى باقي القسمة وهو بالطبع أقل من 30 وتحديد معرفة ما في الباقي من سنوات كبائس وبسائط اعتماداً على الجدول (1) ثم ضرب عدد الكبائس في خمسة (لأنها تحتوي على 355 يوماً أي خمسين أسبوعاً وخمسة أيام) أما عدد البسائط فضربها في أربعة (لأنها تحتوي على 354 يوماً أي خمسين أسبوعاً وأربعة أيام) وهو ما قصده الناظم بقوله: (بضعف اثنين).

·        ثم جمع حاصل الضربين السابقين بالإضافة إلى المحفوظ الأول.


حذف الأسابيع الكاملة من المجموع ويدخل بالباقي في الجدول (2) واليوم المقابل له هو اليوم المطلوب، وقد وضح الناظم ما سبق حين قال:

أسقط لتاريخك أدوراً كبار          وما تبقى دونها به يسار

إلى انقسامه على الدور الصغير     فإن تأتي الانقسام فيصير

خارجه في خمسة مضروبا        ثم احفظن الحاصل المطلوبا

فإن يكون دون ثلاثين بقي        شيء فبين السنوات فرق

فخصصا كبائسا بالضرب         في خمسة فقط بغير ريب

أما البسيطات بضعف اثنين      ثم اجمعن حاصل الضربين

إلى الذي حفظته مقدما           وأسقط الجميع سبعة وما

لم يكتمل عد من الجمعة به     فتنتهي إلى المراد فانتبه


مثال: ما هو أول يوم في سنة 1423هـ ؟

الحل: يبدأ الحساب للسنوات الماضية الكاملة وفقاً للخطوات التي ذكرها الناظم كما يلي:

1)      نسقط الأدوار الكبار كما يلي 1422 ÷ 210 = 6 والباقي 162

2)      نقسم الباقي على الدور الصغير 162 ÷ 30 = 12 والباقي 5

3)      المحفوظ الأول 5 × 5 = 25

4)  ننظر إلى باقي الخطوة الثانية وهو 12 ونتعرف على ما فيه من السنوات الكبيسة اعتماداً على الأرقام الأحد عشر الموجودة في الجدول (1) بهذا نجد أن عدد الكبائس أربع فقط وبهذا يكون عدد البسائط ثمان سنين.

5)  نضرب الكبائس في 5 والبسائط في 4 ونجمعهما مع المحفوظ الأول: (4 × 5) – (8 × 4) + (25) = 77 يوماً.

6)  نطرح ما في الناتج الأخير من أسابيع كاملة وننظر في الباقي وهو المهم هنا. حيث نجد أن الباقي يساوي صفراً وبالرجوع إلى الجدول (2) يكون أول أيام عام 1423هـ هو يوم الخميس.


نهاية المنظومة:

وفي نهاية هذه المنظومة يخاطب الناظم المطلعين عليها طالباً منهم الصفح والعفو عما قد احتوته من أخطاء، وهذه من صفات الكرام الذي اتصفوا بالأخلاق العظيمة وسمو النفس، وما إفصاحه عن قصر باعه في الأدب إلا دليل على التواضع الجم وإلا فما يمكن القول في إصداره مثل هذه المنظومة وهو في ريعان شبابه ؟ بل يطلب غض الطرف عما يمكن أن تحتويه من عيوب مذكراً بحداثة سنة مستشهداً بقول جده لأمه ابن شهاب المتضمن قبول عذر من لم يبلغ العشرين. إذ قال:

واعف عن العيوب فيها واصفح    وإن رأيت غلطاً فصحح

فالجبر للكسر من اللوازم           لأنها ركيكة الدعائم

ناظمها يقصر في الآداب          لأنه في غرة الشباب

فكن له يا ناظراً ذا عذر          وانشد مقال ابن الشهاب الفخري

(وعذر من لم يبلغ العشرينا       يقبل عند الناس أجمعينا)


وكان الختام بالصلاة على سيد الأنام سيدنا محمد وعلى آله الكريم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الأطهار، إذ قال:

والحمد لله الذي يقدر       ما شاءه وللذنوب يغفر

وصلوات للرسول تزكو    وآله وهي ختام مسك


هذا وبعد أن تعرفنا على البعض اليسير من منظومة الشاطري الفلكية التي تربو على 365 بيتاً نرى مدى الجهود التي كانت تبذل تجاه علم الفلك وإلى عصر قريب وما ذلك إلا امتداداً للاهتمام الذي كان مبذولاً باتجاه علم الفلك خلال عصورنا الإسلامية الماضية، وكم لنا أن نتخيل البون الشاسع بين ما نبذله باتجاه هذا العلم اليوم وبين ما ينبغي له أن يكون، وخاصة وأن المستويات التي بلغها اليوم أصبحت في غاية الاتساع والتفرع وأنها لم تعد تهتم بالحركات الظاهرية للأجرام السماوية بل تعداه ذلك ليشمل معظم النواحي الطبيعية المتعددة والتي تتبين فيها عظمة هذا الكون الفسيح بمجراته وأفلاكه التي تضاءلت بجانبها المعرفة الإنسانية المتطورة بكل ما توصلت إليه تقنيتها الحديثة فكم من الآيات لم تزل محيرة للإفهام وما إن تحل حتى يتبعها العديد من الألغاز فسبحان القائل: ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ).