رب المشرقين ورب المغربين2
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



في معرض تفسيره لمفهوم المشرقين الوارد في آيتين مختلفتين من القرآن هما: (
رَبُّ المَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ المَغْرِبَيْن
ِ) (الرحمن: 17) و (
يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْن
ِ) (الزخرف: 38)، قدم الأستاذ خالد مدني محاولة موفقة لتفسير القرآن بالقرآن إذ اعتبر أن هذين المشرقين هما مشرق الشمس كما نراها الآن ومشرقها مرة أخرى حين تطلع من مغربها قبيل يوم القيامة، واعتبر أن أبعد مسافة بين هذين المشرقين هي نصف محيط الكرة الأرضية حوالي 20 ألف كيلومتراً، وحيث إن الأمر قابل للنقاش من وجهة نظر تبادل وتضافر الأفكار، فإنني ارتأيت كفلكي مهتم بأمور الإعجاز الفلكي الكوني في القرآن بأن أضيف بعض الملاحظات والتساؤلات التي ربما تثري الموضوع فيستفيد منها القارئ المهتم وربما الكاتب ـ جزاه الله خيراً ـ كذلك، ولا أقصد أن التفسير المقدم هو تفسير خاطئ بل إنه موفق تماماً في الطرح.

1 ـ يمكن من خلال الآيات الثلاث التي تحدثت عن المشرق والمغرب والمشرقين والمغربين والمشارق والمغارب أن نستدل ببساطة على أن المشرق والمغرب هما موقعا شروق الشمس وغروبها يومي الاعتدالين، وأن المشارق والمغارب هي مشارق الشمس ومغاربها المختلفة كل يوم عن اليوم الذي يليه، وأن المشرقين والمغربين هما مشرقا الشمس ومغرباها يومي الانقلابين الصيفي والشتوي إذ المسافة بين كل منهما أبعد ما تكون.

2 ـ يمكن أن نذهب في تفسير هذه الآية إلى أبعد مما نتصور، فالأخ باسل الرياحي من فلسطين قد وضع كتاباً أسماه (نجم الشعرى) يثبت فيه بالأدلة المختلفة بأن المقصود بآية (رب المشرقين ورب المغربين) هو ما يراه الراصد من على سطح الكوكب الذي يدور حول نجم الشعرى اليمانية ومرافقه النجم القزم وأنه يرى شروقين مختلفين كل يوم وغروبين، وقد أورد الكثير من الأدلة لإثبات صحة استنتاجه هذا.

وهناك من رأي بأن هذين المشرقين والمغربين هما مشرقا ومغربا كوكب بروكسيما قنطورس الذي يدور حول أقرب نجوم المجرة إلينا وهو نجم ألفا قنطورس أو رجل قنطورس وهو نجم ثنائي يرى واضحاً من وراء عدسة التلسكوب ويبعد عنا 4.3 سنة ضوئية، فالكوكب إذاً يدور حول نجمين في آن واحد وبذلك تطلع عليه شمسان وتغربان.

لكن ذلك لا يعني أنني أوافق الذهاب في تفسير الآية إلى كل ذلك البعد، إذ إننا لسنا مضطرين له، وعلى الأقل في وقتنا الحاضر، فنحن نعيش على الأرض ولن يموت أحد من الناس مهما تقدم العلم وسافرنا في الفضاء إلا ويعود ليدفن فيها كما قرر ذلك ربنا في كتابه العزيز (
مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى
) (طه: 55)، فافتراض وجود كوكب يدور حول نجمين يجبرنا على افتراض أننا سنعيش يوماً ما على سطح هذا الكوكب حتى تشرق علينا شمسان وتغربان، وليتحقق بذلك تفسير واضح ومباشر للآية.

لكننا إذا أردنا الذهاب إلى ذلك الاحتمال فإننا سنتحدث عن وصول الإنسان إلى ذلك المكان غير أكيد الطبيعة المناسبة لاستكشافه من قبل العلماء، ولماذا نستكشفه أصلاً ونحن لم نكمل حتى استكشاف باقي كواكب المجموعة الشمسية، خصوصاً وأن قدراتنا العلمية لم تصل برواد الفضاء إلى الآن لأبعد من القمر، فكيف ستعمل مع كوكب يبعد عنا 40 ألف مليار كيلومتراً ككوكب ألفا قنطورس أو مع كوكب سيبعد عنا أكثر من ضعف هذا البعد ككوكب الشعرى اليمانية، إلا إذا تطورت قدراتنا التكنولوجية الصاروخية تطوراً هائلاً أو أن تكون النظريات الكونية اكتشفت لنا طرقاً جديدة عبر المجرات والنجوم؟ فلماذا لا ندع الآية تتحدث عن نفسها في ذلك الزمان نحملها ما لا تطيق (الآن على الأقل).

3 ـ ليس من الممكن أن تكون المسافة بين المشرقين نصف محيط الكرة الأرضية في أية لحظة على الكرة الأرضية إلا إذا كان الراصد يعيش في مركز وباطن الكرة الأرضية، ومع ذلك ستكون المسافة هي قطر الكرة وليس نصف محيطها، فالوضع الطبيعي لأي إنسان أن يعيش على السطح وليس في الداخل، والشمس ترى طالعة أو غاربة عن ما يعرف بالأفق الظاهري للأرض وليس أفقها الحقيقي من باطنها، فالأفق الظاهري هو مماس الكرة الأرضية من نقطة الراصد والمسافة بين مشرق الراصد ومغربه هي في أية أرض مستوية هي 26 كيلومتراً، وتزيد بالارتفاع، فإذا وقفت على تلة علوها 100 متر فقط فإن بعد الأفق يزداد حتى يصبح 40 كيلومتراً يمنة و 40 كيلومتراً يسرة.

أما إذا اعتبرنا بعد المشرقين الظاهرين يومي الانقلابين الصيفي والشتوي فإن المسافة بينهما تختلف باختلاف خط عرض الراصد على الكرة الأرضية وأقلها 47 درجة عند خط الاستواء وتزداد شمالاً أو جنوباً إلى أن تصبح 360 درجة عند خطي عرض 66.5 شمالاً وجنوباً وهما المكانان اللذان تغيب الشمس بعدهما طوال اليوم أو تشرق طوال اليوم.

4 ـ لماذا ربط الكاتب بين انكماش الكون كما تطرح إحدى النظريات الكونية وبين تغير اتجاه دوران الأرض فهل يغير انكماش اتجاه الدوران؟ فالانكماش سيكون على مستوى المجرات وليس على مستوى النجوم ولا الكواكب فلا داعي إذا أن تغير الأرض من طريقة دورانها حول نفسها.

5 ـ وهل يفهم من ذلك أن الجنس البشري العاقل سيبقى حياً إلى عدة مليارات من السنين القادمة حتى ينكمش الكون، بالرغم من علمنا بالحديث الصحيح الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (بعثت والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى) وأن حياة الإنسان كما يقدرها العلم لا تتجاوز (إن تجاوزنا نحن عن الرقم) المليون سنة؟

6 ـ جميل أن الكاتب لم يتعرض إلى الكيفية التي ستغير فيها الأرض طريقة دورانها، أو بتغبير آخر طلوع الشمس من المغرب، فلسنا نعلم إطلاقاً حتى هذا العصر تلك الكيفية ما لم يرتطم نيزك أو مذنب بالأرض فيبطئها ثم يغير من اتجاه دورانها، لكن مثل هذا الارتطام يجب أن يكون مماسياً وأن يكون اتجاه الاصطدام بعكس اتجاه دوران الكرة الأرضية. لكن هل ستسلم الكرة الأرضية من هذا الاصطدام بأن لا يباد نصف سكانها أو حتى كلهم جراءه؟ وإن حدث ولم يتضرر الناس فإنهم سيبدأون بعيش أيام وليال تطول شيئاً فشيئاً حتى تتوقف الأرض ثم تأخذ بالدوران بالاتجاه المعاكس، ومع ذلك فإن ذلك ينفيه الحديث مرة أخرى لأن طلوع الشمس لن يستمر لأكثر من يوم واحد ثم تعود فتطلع من مشرقها كما كانت. إذاً فالأمر ليس بالسهل أبداً.