LiveZilla Live Chat Software

المسلمون وعلــم (الأحيــــاء)
ا.د. غازي بن عبيد مدني

قام المسلمون بدورهم في خدمة الحضارة، والمساهمة في تقدم شتى أنواع المعرفة والعلوم، وعلم الأحياء هو أحد تلك العلوم ؛ هذا العلم تطرق له العرب، وبرعوا فيه وألفوا فيه الكتب، وسبقوا غيرهم من علماء الغرب.

فالعرب برعوا في علم الأحياء بجانب العلوم الأخرى التي نبغوا فيها. مثل: الكيمياء والطبيعة والفلك والرياضيات، وكثير من العلوم كانت تدرس في الجامعات الأوروبية حتى منتصف القرن السابع عشر الميلادي لاعتراف علماء الغرب بهذه العلوم واعترافهم لعلماء العرب، إلا أن علم الأحياء لم يعترف به علماء الغرب ـ إلى وقتنا الحاضر ـ بأن العرب كان لهم الفضل في دراسة هذا العلم ؛ ولكن الحقيقة غير ذلك فعلماء العرب برعوا في علوم الأحياء ؛ وسوف نثبت ذلك ـ وهذا هو موضوع المقال ـ لأنها حقيقة، ويجب أن نخدم الحقيقة لأنها حقيقة ويجب أن ندافع عن الحق لأنه حق، فلولا جهود العرب لبدأت النهضة الأوربية في القرن الرابع عشر الميلادي من النقطة التي بدأ منها العرب نهضتهم العلمية في القرن الثامن للميلاد. إن الحضارة الإسلامية ظاهرة طبيعية ليس فيها شذوذ أو خروج عن منطق التاريخ ؛ فلم يكن بد من قيامها حين قامت. وقد قام أصحابها العرب المؤسسون لها بدورهم في تقدم الفكر وتطوره بأقصى الحماسة والفهم.

الطبيب أبو بكر الرازي

وهم لم يكونوا مجرد ناقلين ـ كما قال بعض المؤرخين ـ بل إن في نقلهم روحاً وحياة. وكذلك لم

يكن نقلهم ميكانيكياً فقط لأنه أبعد ما يكون عن الجمود. قبل أن ندخل في موضوع المقال يجب أن نتطرق إلى أثر ظهور الدين الإسلامي على العرب، وموقفه من العلم والعلماء. إذ مما لا شك فيه أن ظهور الدين الإسلامي كان دفعة قوية للفكر لكي ينتشر ويزيد في معارف الإنسان، ورفاهيته. أليست معجزته الخالدة كتاباً هو القرآن الكريم؟ أليست أولى آياته (اقْرَأ)؟ ألا تدعو كثير من آياته إلى التفكير في ملكوت السموات والأرض والكون والكائنات؟! كيف خلقت؟! ومم خلقت؟! ألا تفرق الآيات بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ وبين الذين أوتوا العلم والذين لم يؤتوه ؛ فيقول الله عز وجل في كتـابه الكريم: (اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الـَّذِى خَلَقَ)، (يَرْفَعِ اللَّهُ الـَّذِينَ ءَامَنــُواْ مِنكُمْ وَالـَّذِينَ أوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )، ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الـَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالـَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ).

ومن أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم(من سلك طريقاً يتلمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لرضا طالب العلم)

وقد ورد أحاديث وآثار كثيرة في فضل العلم والعلماء. ولذلك ما إن استقرت الدولة الإسلامية، وامتد سلطانها من مشارف الصين شرقاً إلى مشارف فرنسا غرباً ؛ حتى أخذ العلماء المسلمون ينهلون من موارد العلم ـ بمختلف فروعه وفنونه ـ فأخذوا يترجمون الذخائر العلمية وينقلون إلى اللغة العربية علوم الإغريق والرومان والفرس والهنود. ونقلت ألوف الكتب من المكتبات القديمة، وأقيمت دور الكتب والمكتبات، وفتح الخلفاء والأمراء قصورهم للعلم والعلماء، بل تنافس الخلفاء والحكام في رعاية العلم والعلماء، وتسابقوا في الإنفاق ـ في سخاء ـ على العلم والعلماء. وقبل الرشيد الجزية كتباً ؛ كما دفع المأمون وزن ما ترجم ذهبا. وقبل إنشاء المدارس كانت قصور الخلفاء ومنازل العلماء ودور الكتب والمساجد بمثابة جامعات يحج إليها طلاب العلم من كل أرجاء الأرض وجاء وقت كان كل طالب علم يجد معهداً يتعلم فيه،ومعلماً يقوم على تعليمه، وراتباً يقوم بأوده، وكان الجامع المنصور في بغداد، والجامع الأموي في دمشق، والجامع الأزهر بالقاهرة، وجامع القيروان بتونس، وجامع القرويين في فاس، وجامع قرطبة بالأندلس، والجامع الكبير بصنعاء ؛ إلى جانب بيت الحكمة في بغداد، ودار العلم في الموصل ومكتبة ابن سوار بالبصرة، ومكتبة ابن الشاطر بالشام، ودار الحكمة بالقاهرة ؛ كانت جميعاً بمثابة معاهد للعلم في أرقى صوره، وكانت في رعاية الخلفاء والحكام من أمثال المأمون ونظام الملك ونور الدين زنكي والحاكم بأمر الله وصلاح الدين الأيوبي ؛ ممن يوضعون على القمة من حيث رعاية العلم والعلماء.

وفي هذه البيئة العلمية الصالحة، ومن ذلك الجو العلمي الحافل نشأ عدد من العلماء ؛ يقرنون مع أعظم العلماء في كل عصر وآن. وكانت العربية لغة العلم يكتب بها العلماء ليقرأها الناس في أي صقع من أصقاع الوطن الإسلامي الكبير وازدهرت حركة الترجمة أيما ازدهار، ثم أقبل العلماء علي التأليف والكتابة في مختلف فروع المعرفة العلمية، فنقلوا علوماً وابتكروا أخرى وأضافوا كثيراً من الآراء والنظريات التي نسبت إلى غيرهم. وسوف نذكر من هذه الآراء والنظريات ما يخص علم الأحياء فقط، تكلموا في التطور - وإن نسب إلى

(داروين) في القرن التاسع عشر ـ وقد كتب فيه (ابن مسكويه) وإخوان الصفا، وابن خلدون قبل داروين بقرون، ويذكرها ابن مسكويه في كتبه حيث قال: إن النبات أسبق في الوجود من الحيوان، وقسم النباتات إلى ثلاث مراتب أولها ما نجم من الأرض ولم يحفظ نوعه ببذر، ذلك أنه في أفق الجماد، والفرق بينهما هذا المقدار اليسير من الحركة الضعيفة في قبول الحياة، ولا يزال هذا الأثر يقوى ويشتد في نبات آخر إلى أن يصير له من القوة في الحركة بحيث يتفرع وينبسط ويتشعب، وجعل يتدرج ليصف المرتبة الثالثة من مراتب النباتات. قال العلامة: (درابر) الأمريكي: تأخذنا الدهشة أحياناً عندما ننظر في كتب العرب فنجد آراء كنا نعتقد أنها لم تولد إلا في زماننا ؛ كالرأي الجديد في ترقي الكائنات العضوية وتدرجها في كمال أنواعها، فإن هذا الرأي كان مما يعلمه العرب في مدارسهم، وكانوا يذهبون به إلى أبعد مما ذهبنا، فكان عندهم عاماً يشمل الكائنات العضوية والمعادن ؛ والأصل الذي بنيت عليه الكيمياء عندهم هو ترقي المعادن في أشكالها. وتحدثوا في أثر البيئة على الأحياء قبل لا مارك فأثر الطبيعة والبيئة على الأحياء من الدراسات الهامة التي اهتم بها أبو القاسم المجريطي (950م- 1007م) . كذلك اهتم بهذه الدراسات ابن خلدون حيث قال: إن العادة قد تغير من صفات العضويات بمثل ما يغير الطقس. ويقول ابن خلدون شارحاً تسلسل بعض الأحياء من بعض: ثم انظر إلى عامل التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان ؛ على هيئة بديعة من التدرج ؛ فآخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له، وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل ـ بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف، ولم يوجد بينهما إلا قوة اللمس فقط، ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق كل منهما مستعد بالاستعداد الغريب لأن يصير أول أفق الذي بعده. واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه، وكذلك أورد الجاحظ كثيراً من الملاحظات تؤيد مذهب التطور والارتقاء، وشرح ابن النفيس الدورة الدموية الصغرى قبل هارفي ببضعة قرون، وأورد ابن سينا في كتاب الشفاء كثيراً من النظريات والآراء في النبات والحيوان ـ ينسبها علماء الغرب لأنفسهم ظلماً وبهتاناً ـ فما الذي نفهمه من هذا التشابه العجيب بين آراء هؤلاء وأولئك؟ إنها سلسلة محكمة الحلقات لا ينبغي أن نغفل واسطتها، ويمثلها بعض من ذكرنا من العلماء العرب، ولنا أن نتصور ـ لو لم تصبنا محنة المغول والتتار ممن جلبوا لنا الجهل والدمار، وأطفأوا هذا السراج الوهاج، وأناخوا علينا بكلكلهم الثقيل ردحاً طويلاً من الزمان،وجعلونا نغفو إغفاءة طويلة لم نكد نفيق منها إلا مع الاستعمار الذي كان أثقل وطأة وأفظع أثراً فقد عمل على محو تاريخ هذه الحقبة اللامعة الوضاءة من حياتنا، ونجح في ذلك إلى أبعد الحدود ؛ فنسي قوم أو تناسوا تاريخهم الأثيل، وانحازوا إلى علم الغرب وثقافته، دون الرجوع إلى النبع العربي الأصيل الذي استقى منه هؤلاء، مع الاعتراف الذي أدلى به بعض علماء الغرب: لولا وجود علماء العرب لاضطر علماء النهضة الأوربية أن يبدأوا من حيث بدأ هؤلاء ولتأخر سير المدنية عدة قرون. وقال آخر إن كثيراً من الآراء والنظريات العلمية حسبناها من صنعنا فإذا العرب سبقونا إليها. وتقول المستشرقة الدكتورة (سيجريد هونكة) في كتابها (فضل العرب على أوروبا) أو (شمس الله على الغرب) : (إن أوربا تدين للعرب وللحضارة العربية، وإن الذي في عنق أوروبا وسائر القارات الأخرى للعرب كبير جدا، وكان يجب علي أوروبا أن تعترف بهذا الصنيع ؛ منذ زمن بعيد ولكن التعصب واختلاف العقائد أعمى عيوننا وترك عليها غشاوة ؛ حتى إننا نقرأ ثمانية وتسعين كتاباً من مائة كتاب فلا نجد فيها إشارة على فضل العرب وما أسدوه إلينا من علم ومعرفة اللهم سوى هذه الإشارة العابرة على أن دور العرب لا يتعدى ساعي البريد الذي نقل إليهم التراث اليوناني.

وتقول:(إنها سبة أن يعلم أهل العلم من الأوروبيين أن العرب أصحاب نهضة علمية ـ لم تعرفها الإنسـانية من قبل ـ وأن هذه النهضة فاقت كثيراً ما تركه اليونان أو الرومان ولا يقررون هذا، إن العرب ظلوا طوال ثمانية قرون يشعون على العالم علماً وفناً وأدباً وحضارة، كما أخذوا بيد أوروبا وأخرجوها من الظلمات إلى النور،ونشروا لواء المدنية أنى ذهبوا في أقاصي البلاد وأدانيها سواء في آسيا أو أفريقيا أو أوروبا، ثم تنكر أوروبا الاعتراف للعرب بهذا الفضل. وتختتم الدكتورة (سيجريد هونكة) مقدمتها الرائعة لكتابها (شمس الله على العرب) بقولها: (إن هذا الكتاب يرغب في أن يفي العرب ديناً استحق منذ زمن بعيد) ...

من هذا كله نستنتج أن الأمة الإسلامية والعربية ظلت حاملة لواء النهضة عدة قرون في وقت كانت أوربا ما تزال غارقة في الظلام، وأهدى الفكر العلمي في العصر الإسلامي إلى الإنسانية كثيراً من مظاهر الترف والحضارة والرفاهية ؛ كما أهداها معلماها الثاني والثالث الفارابي وابن سينا. ولو قدر لهذه النهضة العلمية الشاملة أن تستمر في عنفوانها وانتشارها لكانت هذه النهضة التي تتيه بها أوروبا في العصر الحاضر من نصيب أمتنا العربية وكانت تتقدم على تاريخها الحالي عدة قرون ؛ ولكن وقعت بغداد تحت سنابك الغزاة من المغول والتتار وسقطت الأندلس في يد الفرنجة في الغرب، وتداعت دويلات المشرق والمغرب العربي واحدة بعد الأخرى تحت وطأة الاستعمار الغربي... وصحت أوروبا وبعد هذه المقدمة والتي أوضحت جانباً من فضل علماء العرب على النهضة الأوربية نرجع إلى غاية بحثنا وهو مفهوم الأحياء عند العرب والمواضيع التي تطرقوا لها إن مفهوم الأحياء عند العرب نستدل عليه من واقع الدراسات التي قاموا بها في شتى المواضيع التي تخص علم الأحياء، فالعرب قد طرقوا عدة أبواب في هذا العلم، وبرعوا في بعضه لما يذكر لهم بمزيد من التقدير، و يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات التي كانت متوفرة لديهم في ذلك العصر، ومقارنتها بما لدينا الآن في هذا العصر؛ لنستنتج مدى عبقرية وذكاء وفهم علماء العرب، ودقة عملهم، حتى أصبحت أعمالهم مرجعاً أساسياً في القرون الوسطى ؛ ينهل منها الغرب طلباً للعلم والمعرفة.. وبناء حضارة.

من المواضيع الهامة التي مارس فيها العلماء العرب نشاطهم العلمي العلم الذي نطلق عليه علم

(فونا وفلورا) . وهذا العلم يختص بجمع العينات النباتية والحيوانية لبلد ما ثم دراسة هذه العينات وذكر أسمائها، وهذا هو بالفعل الذي فعله علماء العرب من حوالي 800 سنة ميلادية، فهم درسوا النباتات في بلاد مختلفة، منها بلاد المشرق والمغرب وبلاد اليونان ومصر وبلاد الشام ؛ ابتغاء جمع العينات وجمع الحشائش والأعشاب. وهم بالإضافة إلى جمعها يعرفون النبات ومواضع إنباته وأنواعه المختلفة، مع وصف الأراضي التي نبت فيها ـ إذا كانت مالحة أو غير مالحة أو ينمو على الماء ـ ويذكرون الأجناس المختلفة في النبات، والأنواع المختلفة في الجنس الواحد، ومن ثم يذكرون أسماء هذه النباتات بلغات مختلفة. علاوة على ذلك كان رشيد الدين بن الصوري (الذي اشتهر في علم النبات بالتدقيق والبحث) كان يصطحب معه مصوراً ـ حين البحث عن النباتات في منابتها ـ ومعه الأصباغ على اختلافها وتنوعها، فكان يتوجه إلى المواضع التي بها النبات فيشاهده ويحققه، ويريه للمصور ؛ فيعتبر لونه ومقدار ورقه وأعضائه وأصوله ويصور بحسبها ويجتهد في محاكاتها، ثم إنه سلك في تصوير النبات مسلكاً مفيداً:وذلك أنه كان يرى النبات في إبان طراوته فيصوره، ثم يريه إياه في وقت ذوبه ويبسه ؛ فيشاهد الدارس النبات وهو على أنحاء وأطوار على نحو ما يراه في الأرض فيكون تحقيقه له أتم ومعرفته أبين. وما أظن أن المشتغلين بعلم النبات يطمعون في أكثر مما كان يفعل ابن الصوري في درسه للنبات في بيئته، مع اختلاف الأجهزة والمقاييس في العهدين.. أما بالنسبة للحيوان فكانوا يتبعون نفس المنهج من جمع للحيوانات ودراستها وذكر أسمائها، وعلى ذلك يكون علماء العرب قد وفوا هذا العلـم حقه ـ وعلى أكمـل وجه ـ لأن هذا العلم لا يتطلب أكثر من هذا، وأظن أننا لا نطمع في أكثر مما كانوا يفعلون.

ومن بين علماء العرب المشهورين ـ الذين ينسبون لهذا العلم ـ ابن البيطار الذي يعتبر أعظم عالم نباتي ظهر في القرون الوسطى، والذي قال عنه بعض المستشرقين ما يأتي:

ماكس مايرهوف: إنه أعظم كاتب عربي ظهر في علم النبات.

روسكا: إن لكتابه ـ الجامع لمفردات الأدوية ـ أهميته وقيمته وأثره الكبير في تقدم علم النبات. العالم الثاني الذي ينسب لهذا العلم الإدريسي: الذي يعتبر من العلماء المعدودين لهذا العلم. كذلك ابن سينا: الذي يعتبر رائداً من رواد الفكر الإنساني والمعلم الثالث للإنسانية. ومن بين العلوم أيضاً علم الشكل: وهو يعنى بدراسة التركيب الخارجي. فعلم الشكل بالنسبة للنبات قد برع فيه العرب إلى حد يلفت النظر، فهم كانوا يصفون النباتات من محاصيل و خضروات وفاكهة وصفاً دقيقاً مقارنين هذا النبات بنظائره ويصفون أجزاء النبات من أزهار وثمار وأوراق وسيقان، وكانوا يتفننون في ذكر ألوان الأزهار والثمار جافها وطريها وأنواع الأوراق. مثل العريضة والضيقة كاملة الحافة أو مشرفتها، ويذكرون وسائل وحالات استعمال النبات ـ بعيداً عن ميدان الطب ـ وذكر أسماء النباتات بلغات مختلفة، فعلم الشكل بالنسبة للنباتات انجذب إليه عدد كبير من علماء العرب ومن بينهم: الدينوري، القزويني، الأنطاكي، ابن سينا، الغافقي، ابن سيده، الخوارزمي، الداودي، القرطبي. أما علم الشكل بالنسبة للحيوان فعلماء العرب مما يشهد لهم بالباع في هذا العلم، فهم وصفوا الحيوانات على اختلاف أنواعها وصفاً دقيقا، وكذلك وصفوا الأعضاء وقد أعطوا كذا تقسيماً للحيوانات، فقسموها إلى ما يطير ويقوم ويمشي، وانقسام الماشي إلى ما يمشي على بطنه أو على رجليه، وما يمشي على أربع وإلى أشكالها وأنواعها وتجميع غذائها، وادخارها القوت لوقت الشتاء. كان هذا التقسيم للقزويني. أما الجاحظ فقد قسم الحيوان إلى أربعة أقسام: شيء يمشي وشيء يسبح، وشيء ينساح، والنوع الذي يمشي على أربعة أقسام: ناس، بهائم، سباع، وحشرات. لنرى الآن كيف وصف الجاحظ حيوان الماء؟ يقول: ليس كل عائم سمكة وإن كان مناسباً للسمك في كثير من معانيه، ألا ترى في الماء كلب الماء وعنز الماء، وخنزير الماء، وفيه الرق والسلحفاة وفيه الضفدع وفيه السرطان والتمساح والدخن والدلفين ثم يقسم الحيوان إلى فصيح وأعجم. فالفصيح هو الإنسان، والأعجم هو الحيوان.

ويقول في الحيوان الأعجم: ما يرغم ويثغُ وينهق ويصهل ويشمخ ويخور ويبغم ويعوي وينبح ويزقو ويصفر ويهور ويصوص ويقوق وينعب ويزأر ويكش ويبع. أما ابن سينا فقد عرض في دراساته على نماذج رائعة لوصف مختلف أنواع الحيوان والطير. ويقول في الحيوانات المائية: لجيه، وشطيه، ومنها طينية، وصخرية، والحيوانات المائية منها ذات ملاصق تلزمها كأصناف من الأصداف، ومنها متبرئة أي متحررة الأجساد، مثل: السمك والضفــادع. والملاصقة: منها مـا لا تزال تلصق ولا تبرح. مثل أصناف في الصدف والإسفنج، ومنها ما يلصق. من هذا كله نستنتج أن علماء العرب قد طرقوا هذا الباب من العلم وأبدعوا فيه، وألفوا فيه الكتب الضخمة. مثل كتاب

(حياة الحيوان الكبرى) للدميري ويعتبر هذا الكتاب موسوعة، وقد جمع الكتاب بين الطائر والسمك والحشرات والزواحف في فصل واحد كما جمع بين مادة العلم الطبقي في وصفه للحيوان وسلوكه ووطنه. ولعل من أهم العلماء الذين ينسبون إلى هذا العلم: ابن سينا ـ الجاحظ ـ الدميري والقزويني. ومن بين العلوم أيضاً علم سلوك الحيوان هذا العلم الذي كان من نصيب العرب أن يدرسوه ؛ فالجاحظ مثلاً كانت له مشاهدات وملاحظات عجيبة في سلوك الحيوان سجلها بدقة تستحق التقدير والإعجاب فكان يجري بعض التجارب على بعض أنواع الحيوان ؛ فقد كان يجمع الحيوانات ـ وبعضها تحت أوان زجاجية ـ ليراقب سلوكها معا، ولعل كتاب المخصص لابن سيده الذي فيه وصف لكثير من أنواع النبات، وكذا الحيوان ووصفه الدقيق، للأعضاء في الحيوانات ؛ مما يفيد الدارسين لعلم الشكل وسلوك الحيوان. ويعتبر الجاحظ والدميري وابن سيده من العلماء الذين ينسبون إلى علم سلوك الحيوان، من واقع تجاربهم وأعمالهم على الحيوانات. أما علم التشريح المقارن: فقد أسهب فيه العلماء العرب، أسهبوا في التشريح المقارن بين الحيوانات المختلفة، والطيور والأسماك ؛ فتكلموا عن العظام والغضاريف والأعصاب والشرايين والأوردة والأغشية والرباطات، والحركة الإرادية والطبيعية في مختلف هذه الأنواع، وتكلموا أيضاً عن الأجهزة العضلية والهضمية والوريدية والتناسلية والتنفسية ؛ فلا شك في أن العرب قد برعوا في هذا العلم وقد مارسوا فيه التشريح، فلمقارنة الأجهزة ببعض لا بد من التشريح، فمن هنا نلاحظ أن العرب قد مارسوا التشريح بين جميع الحيوانات المختلفة، والطير، والأسماك. وكان الجاحظ يبقر بطون الحيوانات ليعرف ما في بطونها، فعلم التشريح المقارن قد أسهب فيه العالمان: ابن سينا والجاحظ. علم الحيوان التجريبي كان له النصيب الأوفى من اهتمام العرب. فالجاحظ مثلا: كان يجرب أثر الخمر على الحيوانات.

وأخيرا.. نجد أن علماء المسلمين لم يتركوا باباً في العلم إلا وطرقوه، وفي علم الأحياء بالذات نجد أنهم قد أتوا على جميع فروع هذا العلم

(علم الأحياء) . وقد برعوا في بعض هذه الأفرع التي تفوق الوصف، وبعض أعمالهم وملاحظاتهم على بعض الأشياء أصبحت من المواضيع الهامة التي تدرس حديثا، وتعتبر من العلوم الحديثة.فظاهرة الإيقاع الحيوي مثلاً قد اهتم بها علماء الأحياء ـ

مثلاً منذ 25 عاماً فقط ـ بينما علماء العرب قد تطرقوا لهذه الظاهرة منذ 700 سنة. فالقزويني كان يراقب دائماً الحركة اليومية للأزهار، كذلك كان يربط بين زيادة العمر ونقصانه وبين كثير من الظواهر عند الإنسان والحيوان والأسماك والحشرات والأشجار والفواكه. فمما لا شك فيه أن القزويني تنبه إلى حقيقة الإيقاع الحيوي، وأن الحيوانات والنباتات تبدو في نشاطها وكأنها تتبع دورة القمر. وبهذا ندرك مدى ما وصل إليه المسلمون، وأثرهم الإيجابي على الغرب والعالم وما يمكن أن يصلوا إليه إذا هم عادوا لسر قوتهم. قال تعالى:(إِنّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتــَّى يُغَيِّرُوا مَا بأنفسهم)

المراجع:

1 ـ تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه، د. عبد الحليم منتصر.

2 ـ تقدم العرب في العلوم والصناعات، عبد الله بن العباس الجراري.

3 ـ العلوم عند العرب، قدري حافظ طوقان.

4 ـ أثر العرب والإسلام في النهضة الأوروبية، يونسكو.

5 ـ العرب والعلم في عصر الإسلام الذهبي، د. توفيق الطويل.

6 ـ موسوعة المعرفة

Prunez